اخبار الإقليم والعالم

مسلسل معاوية.. اقتحام التاريخ من دون تجديده

وكالة أنباء حضرموت

لا يكفي اقتحام التاريخ من خلال الدراما، ومن الوارد إذا لم تُطرح معالجة تفكيكية وقراءة نقدية شاملة أن يصبح العمل معالجة فنية للروايات الحديثة والماضية وامتدادا لها، مُكرِسًا قداسة التاريخ والمرويات والشخوص.

حقق مسلسل “معاوية” الذي عرض سيرة معاوية بن أبي سفيان في ماراثون دراما رمضان هذا العام نصف إنجاز على مستوى كسر التابوهات أو المحرمات التقليدية، ويرجع اعتبار التطرق إلى تلك الحقبة التاريخية وحكي تفاصيل الصراعات التي دارت خلالها إنجازا إلى إحكام المحافظين السنة إغلاق هذا الملف، حيث منعوا تداول أحداث القرون الأولى التي صُبغت بالقداسة.

ولا تتجاوز رسالة المسلسل الرئيسية تحقيق هذا الاختراق غير المسبوق؛ فالسنة هم من عرضوا تاريخهم الصادم، ما يعني البدء بإزالة قشرة القداسة عن شخصيات مرحلة جرى التكتم على أحداثها قرونًا، وعلى الشيعة أن يحذوا حذو السنة مع روايات صُبغت بالقداسة أيضا.

وبعيدا عن نجاح المسلسل من عدمه فنيا، فقد حرك مياها راكدة وامتلك الشجاعة في كسر سردية أصابت قطاعًا عريضًا من المسلمين بالعلل الحضارية والفكرية على مدار قرون، تلك التي استماتت في جعل تلك الحقب مطموسة وأرضًا مجهولة ومحرمة، ولا يجوز أن تطأها قدم مسلم تحت عنوان خبيث مراوغ وهو “الكف عما شجر بين الصحابة.”

وظل الهدف من الإصرار على عدم فتح النقاش حول تلك المرحلة المفصلية من التاريخ الإسلامي هو عدم زعزعة الصورة الذهنية الوهمية المتوارثة بشأن ما صُور وكأنه مدينة فاضلة تسير فيها الملائكة مع البشر ويتسم سكانها بالورع والزهد الكامل.

وإذا كان من نجاح للمسلسل فقد نجح في كسر هذا الصنم، لأن الحقيقة أن الصحابة والتابعين لم يكونوا ملائكة بل بشرًا وانخرطوا في صراعات دامية على السلطة، ولم يكونوا جميعًا سادة التقوى والتفاني في العبادة كما يقول الإخباريون، بل كانوا سياسيين من الطراز الأول وبعضهم سادة قصور وبذخ ومؤامرات، ولم يتردد بعضهم في قتل البعض الآخر لأجل النفوذ والسلطة.

جاء المسلسل كخطوة هامة لطرح تلك الحقبة الإشكالية الحساسة للنقاش العام بعد أن سبق كتاب كبار مثل طه حسين وهشام جعيط إلى تناولها تأليفًا عبر زوايا ومعالجات مختلفة، لكن لم يتجاوز ذلك تفكيك المشهد وتحليله، ليكون منطلقًا لخطاب ديني جديد، “يعتمد على التحليل والنقد البناء بعيدًا عن التقليد الأعمى ويعزز من أهمية الفهم العميق للتاريخ الإسلامي بعيدًا عن التأويلات المغلوطة،” وفقا لتصريحات مؤلفه خالد صلاح.

لم يتحقق هذا الهدف الكبير على طريق التجديد المأمول للتاريخ بعد، ولن يتحقق إلا إذا تمكنت النخب المفكرة والمبدعة من تصحيح الأوضاع المقلوبة بالكامل، لأننا حيالَ حالة تاريخية جرت مساواتها وتقديمها على القرآن المقدس، إلى درجة أنه لم يصبح المدار هو الله المطلق بل صار المدار والمركز ما دونه من شخوص ومخلوقات، ولم يصبح المدار هو كتاب الله المقدس بل تشريعات أُنتجت لحساب وعلى مقاس مصالح من عاشوا تلك الحقب التاريخية، خاصة بين العامين الأول والثالث للهجرة.

شكلت حقبة معاوية بن أبي سفيان نموذج “الدين التاريخي” الذي توارثه المسلمون ونرى نتائجه اليوم؛ حيث جرى تقديس التاريخ والأشخاص ومن أجلهما تم وضع الروايات التي سُميت بالأحاديث ونُسبت زورًا للصحابة والرسول وباتت مُقدمَة وطاغية على القرآن الكريم ذاته، وتم تفسير آياته الحكيمة بها فتحول لدى قاعدة عريضة إلى خرافات وأساطير.

حقبة تاريخية مسكوت عنها

وأصبحت تشريعات الفقهاء تعتمد علي الحديث مع تزايد قدسيته عند الناس دون القرآن وأصبح الفقه هو شرع الله رغم كونه مجرد تشريعات بشرية.

كان من نتيجة تلك التحولات التي جعلت القرآن المقدس مهجورًا وشكلت المقدس التاريخي الموازي المبني على المرويات وتقديس الأشخاص والآراء البشرية لأكثر من ألف عام وهو ما نعيش أجواءَه وامتداداته المذهبية المغلقة الآن، أن تفشت الطريقة التي استولى بها معاوية على الملك عبر سياسة القمع والتخويف والتملك بالقوة، وهو ما جرى في أسلوب استيلائه على مصر والحجاز واليمن، كما تولدت المذاهب والفرق المتصارعة والمتناحرة.

وأصبح المسلمون يتبعون فرقًا ومذاهب متعارضة تنسب إلى فقهاء القرن الثالث الهجري وما بعده مع أن أي واحد من هؤلاء الفقهاء لم يؤسس المذهب بناء على أقواله هو وتشريعاته.

وتبنى كل صاحب مذهب أقوال وتشريعات فقيه سابق من فقهاء القرن الأول الذين كانت تشريعاتهم وأقوالهم مبنية على خلفياتهم الثقافية والدينية السابقة التي كانوا عليها قبل دخولهم الإسلام، وأُدخلت تلك الأقوال والتشريعات إلى الإسلام عندما ظن الناس أنهم ورثوها من الفقهاء الأوائل وأنها لا بد أن تكون صادرة من الرسول وصحابته فنسبوها إليهم على شكل أحاديث، ما أنتج الفرق والمذاهب المتناحرة والمتصارعة في العالم الإسلامي اليوم.

ونتيجة هجران مبادئ وقيم القرآن واتباع ما جرى إنتاجه من روايات مزورة، ترسخت في هذا العهد الطبقية ولم يعد المسلمون سواسية كما خلقهم الله، وتصرف معاوية كما لو كان أعلى من البشر يجري في عروقه الدم الأزرق الملكي الذي يميزه عن خلق الله، بعد أن كان الناس إخوة متساوين، كما راجت فكرة أن الدولة وممتلكاتها ملك شخصي للسلطان وليست مسؤولة عن معايش الناس والنظر في مصالحهم.

وضاعت خلال تلك الحقبة وما بعدها حقوقُ المسلمين في بيت المال بعد استيلاء الحاكم عليه وسلوكه مسلك الهبات الملكية، فإذا مدحه شاعر وهبه وإن تملقه منافق أعطاه، فصارَ الناسُ يتسولون حقوقَهم من رأس السلطة الذي يتصرف كمن يملك البلاد والعباد، فحلت الخشية من ملك يتحكم في أرزاق الناس وأرواحهم محل الخشية من الله.

وجرى سحق المناهضين والمعارضين وقُتل البريء ليعتبر غيره في سبيل الهيمنة وتوريث السلطة، وأصبح الحق هو ما يفعله الحاكم ولو كان ظلمًا، ولم يعد هناك مكان لحكم القرآن لأن القرآن دستور حكم الله، وبما أن الملك هو الحاكم فرأيه هو دستور حكمه، فكان الناس يُقتلون لأن الملك أمر بذلك، لا لأن المقتول اقترف معصية في شرع الله حدها القتل، ولم تعد المعصية هي ما يخالف أوامر الله بل أصبحت ما يخالف أوامر الملك.

لأجل تكريس هذا الانقلاب التاريخي على المبادئ والقيم الإسلامية العليا المسطورة في القرآن من شورى وعدل ورحمة ومساواة وحرية وكرامة وإجلال للنفس الإنسانية، سمحت السلطة السياسية ممثلة في معاوية بترويج الروايات والأحاديث المنسوبة زورًا للرسول والصحابة.

بررت تلك الروايات للحاكم الجديد أفعاله وأظهرته بالخديعة أنه على حق، على الرغم من المعرفة الكاملة بأن الرسول نهى أن يُنقل عنه أو أن يُكتب غير القرآن.

بدأ في حقبة معاوية بن سفيان وما بعدها إسباغ الطابع الديني على الحركات السياسية بهدف تخويف المسلمين بعقاب الله في حال معاداتهم للحركات والأحزاب السياسية التي تسترت بالدين ورفعت شعاراته.

وانتهى تسييس الدين وشراء ذمم الفقهاء وإدخال الأكاذيب والمرويات المزورة المنسوبة للرسول، بهدف تكريس السلطة السياسية ومنع معارضتها في عهد معاوية، اليوم إلى انشقاق عريض بين المسلمين في إطار الصراع السياسي على السلطة، فضلًا عن توالد جماعات وأحزاب بلا حصر تعتمد على تلك المرويات المبثوثة في كتب التراث وعلى استغلال الدين أبشع استغلال.

وقد اكتفى مسلسل معاوية بتحقيق نصف إنجاز متمثل في اقتحام الحقبة المسكوت عنها وسرد أحداثها؛ أما التجديد المأمول والموصل إلى نهضة الإنسان المسلم المعاصر، فيتحقق عبر نضال تجديدي يتجاوز النمطية والموروث البشري، منطلقًا من رؤية نقدية تعيد المسلمين إلى الأصل النقي قبل حدوث التشوهات واندلاع الصراعات والفتن وإنتاج المرويات المكذوبة، ما يُؤسس لمرحلة جديدة لقراءة التاريخ عبر الدراما.

محافظ حضرموت يطلع على جهود تطهير المديريات من الالغام والعبوات ومخلفات الحروب


نائب مدير عام مديرية الشحر يطلع على مستوى الانضباط الوظيفي بمستشفى الشحر العام


تحت شعار "أعيادنا عزة وجهاد" دائرة الطلاب بإصلاح أمانة العاصمة تقيم لقاء معايدة لأعضائها


لقاء موسّع لمشايخ القبائل والمناصب والشخصيات الاجتماعية لمناقشة مصير حضرموت وتحديات المرحلة