اخبار الإقليم والعالم
الجزائر
في عيد استقلالها الستّين... الجزائر تستعرض سلاحها الثقيل للقريب والبعيد
في عيد استقلالها الستّين... الجزائر تستعرض سلاحها "الثقيل" للقريب والبعيد
لم يكن يوماً عادياً، ويبدو أن تفاصيله ستبقى راسخة في ذاكرة من شاهدوه. فللمرة الأولى منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 1989، استعراض عسكري يمكن القول إنه "الأضخم" في تاريخ الدولة الجزائرية المستقلة، في العتاد والتجهيزات التي عُرضت أمام الملأ.
انطلاقاً من شارع "بلكور" (سُمّي نسبة الى لجنة شباب بلكور الثورية التي تأسست في الأول من تشرين الثاني 1954) مروراً بمتنزه "الصابلات" (المعروف سابقاً بشاطئ الرميلة على الساحل الشمالي للبلاد) وصولاً إلى جامع الجزائر الأعظم، وهو ثالث أكبر مسجد في العالم بعد الحرمين الشريفين، كانت الشوارع خضراء بلون الأعلام الوطنية التي كانت ترفرف عالياً. ووفق مشاهدات "النهار العربي" على طول الطريق، كانت جموع من الناس، شيوخاً وشباباً ونساءً وأطفالاً، يغطون جوانب الطرق التي كانت تحتضن هذا الحدث الأول من نوعه منذ 33 عاماً.
الانطباع الأول الذي لمسناه هو الفرح بهذا اليوم التاريخي الذي يختلف عن سائر الأيام. الجميع كانوا يحملون الأعلام ويرددون "وان، تو، ثري، فيفا لالجيري" أي "واحد، إثنان، ثلاثة، تحيا الجزائر" وهو الشعار الذي يردد في الملاعب الجزائرية، فآلاف المواطنين قدموا من مختلف محافظات البلاد، واحتلوا الأرصفة كلها لتوفير أفضل متابعة للعرض المنتظر.
"دولة المؤسسات"
بدأ الاحتفال بوصول الرئيس عبد المجيد تبون ورئيس أركان الجيش الفريق السعيد شنقريحة إلى موقع الاستعراض في حدود الساعة التاسعة والنصف صباحاً بالتوقيت المحلي، ظهرا وهما يتبادلان الحديث والابتسامة بين الحين والآخر، إلى غاية بلوغهما المنصة الشرفية التي تسمح لهما ولضيوف البلد بمتابعة العرض العسكري في الذكرى الستين للاستقلال.
وجلس تبون بمحاذاة الرئيس التونسي قيس سعيّد الذي كان جالساً إلى جانب الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وحضر وزير التسامح الإماراتي نهيان بن مبارك آل نهيان. ومن بين الضيوف الآخرين الأمين العام لجبهة البوليساريو إبراهيم غالي، ورئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية وقيادات فصائل فلسطينية أخرى، والأمين العام لاتحاد الشغل التونسي نور الدين الطبوبي، وزعماء دول أفريقية بينهم رئيس النيجر محمد بازوم ورئيسة جمهورية إثيوبيا ساهلي وورك زودي، إضافة إلى رئيسة مجلس الشيوخ الإيطالي ماريا إليزابيتا ألبيرتي كازيلاتي، ووزير الرياضة التركي محمد قصاب أوغلو، ووزيرة الخارجية في حكومة "الوفاق الوطني" الليبية نجلاء المنقوش. وهو حضور حمل في طياته رسائل سياسية بعثت بها الجزائر إلى الخارج ودول الجوار في ظرف إقليمي ودولي متشنج ومتوتر.
من أبرز الحضور. (أ ف ب)
وألقى تبون كلمة مقتضبة في مستهل الاستعراض، دعا فيها "الجميع إلى المساهمة في تثبيت أسس دولة المؤسسات والحق والقانون".
وخاطب الجزائريين عن الاستعمار الفرنسي الذي تحقق في الخامس من يوليو (تموز) بالقول: "أؤكد أننا جميعاً ومهما كانت مواقعنا ومستوياتنا ومسؤوليتنا، مدعوون في ظرف محفوف بالتحديات إلى المساهمة في تثبيت دولة المؤسسات والحق والقانون"، وأضاف: "لنجعل من أيامنا التاريخية محطات شاهدة على الوفاء للشهداء ولرسالة تشرين الثاني الخالدة".
"تاريخ مجيد وعهد جديد"
وانطلقت الاحتفالات الضخمة بهذه المناسبة بأكثر من 20 طلقة مدفعية، أطلقت من الساحة المحاذية لجامع الجزائر الأعظم التي ازدانت بملصقات عملاقة كتب عليها: "60 سنة تاريخ مجيد وعهد جديد".
ودام الاستعراض العسكري الضخم قرابة ساعتين كاملتين، وشهد مشاركة 100 تشكيل للقوات المسلحة في عروض جوية مبهرة لسرب من مقاتلات "سوخوي 24" و"سوخوي 30" ومقاتلات "ميغ" التي صممت للسيطرة الجوية، إلى جانب عرض لسفن حربية وغواصات، من بينها السفينة المضادة للغواصات "رايس قورصو" والملقبة أيضاً بـ"صائدة الغواصات"، والسفينة الغرابة "رايس حسان باربيار 807" التي صُنعت محلياً، بالإضافة إلى غواصة "الثقب الأسود".
كما تم استعراض نظام الصواريخ أرض _جو "إس 300" الروسي، والمنظومة الصاروخية "إسكندر" المعروفة باسم "ذو القرنين" وقاذفات "اللهب المدفعي" المعروفة باسم "سولنتسبيك" والملقبة بـ"الشمس الحارقة"، كما تم استعراض تشكيلة من الدبابات العصرية بمختلف التشكيلات والأنواع وآليات الإسناد ومنصات صواريخ ومدفعية وعربات قتالية.
دلالات ورسائل
ويبدو أن اختيار الطريق المحاذي لجامع الجزائر الأعظم في منطقة المحمدية في خليج الجزائر العاصمة يحمل دلالة رمزية وتاريخية كبيرة بالنسبة إلى الجزائريين، إذ يقول الباحث الجزائري في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية عدنان محتالي لـ"النهار العربي" إن "الاستعراض العسكري أمام مسجد الجزائر يرسخ ارتباط الدولة الجزائرية والمؤسسة العسكرية بالعالم الإسلامي. فمنطقة المحمدية التي احتضنت هذا الاستعراض العسكري الضخم كانت "معقل التبشير" في الجزائر وعموم أفريقيا، وسُميت بعد استقلال البلاد هكذا نسبة إلى رسول الله إلى البشرية محمد صلى الله عليه وسلم".
وتتعدد الإشارات والرسائل التي حملها العرض العسكري الجزائري، وذلك في وقت تتطلع الجزائر لإبراز صورة من الثقة في وجه التحديات الصعبة المتفاقمة التي تشهدها على حدودها.
وبحسب محتالي، فإن "هذا الاحتفال يحمل رمزية تاريخية مهمة للجزائر كدولة وكأمة، فالاستعراض العسكري الذي أقيم يدل على أن الجزائر، رغم فتوّتها والتجارب القاسية التي مرت بها، بقيت وفية لمبادئها التي قامت عليها، واستطاعت رغم كل العقبات أن تقف شامخة مجدداً وتصير دولة قوية يُحسب لها ألف حساب".
ويرى محتالي في قائمة المدعوين "رسالة واضحة إلى إسرائيل. أعتقد أن الرسائل ستصل اليوم إلى أصحابها بوضوح شديد".
وعلى الصعيد الداخلي رأى أن "الاستعراض هو محاولة لبعث الإيجابية ورفع الروح المعنوية للفرد الجزائري، من خلال إظهار إنجازات الجزائر وأيضاً قدراتها وطموحاتها، فالسلبية تمثل عائقاً كبيراً أمام ارتقاء الشعب، فإذا سيطرت عليه يصبح كمرساة تكبح التقدم".
الباحث في الشؤون الأمنية عمار سيغة تحدث في الاتجاه نفسه، وقال لـ"النهار العربي" إن "مهندسي العملية الاستعراضية ركزوا على إخراج الصورة المكتملة للجاهزية التامة للجيش الجزائري، بما يضمن الرسائل الإعلامية إلى الداخل، ويعطي مساحة من الأريحية في قدرات الجيش لحماية السيادة الوطنية من كل تهديد، كما يؤكد حالة الانسجام بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية والتي تعتبر ثنائية عقائدية في تاريخ الجزائر الماضي ومستقبل العلاقة بين المؤسستين".
أما بالنسبة إلى الرسائل التي تعمدت الجزائر توجيهها إلى الخارج، فأشار إلى "رغبة الجزائر في إبراز القدرات القتالية والإمكانات اللوجستية التي وصل إليها الجيش الجزائري، وامتلاكه مفاتيح الصناعة العسكرية التي تعد رائدة عربياً وأفريقياً، وكذا بعث رسائل قوية لكل من يتربص بأمن المنطقة واستقرارها، من تهديدات تقليدية وأخرى غير تقليدية من جريمة منظمة وجماعات متطرفة".
واعتبر أن "العمليات الاستعراضية تؤكد مرة أخرى جاهزية الجيش الجزائري لأي مواجهة عسكرية محتملة داخلياً أو خارجياً، واستعداد قواته بمختلف التشكيلات لخوض أي حرب محتملة في المنطقة التي تعرف حالة من اللااستقرار