اخبار الإقليم والعالم
الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي.. حلم عالق بين الرغبة والقدرة
أدركت أوروبا حجم المشكلات التي تواجهها، إلا أن استجابتها جاءت وفقاً للمصالح الوطنية لكل دولة.
وأصبحت فكرة "الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية" أكثر إلحاحًا بسبب تراجع الثقة في الاعتماد الدائم على الولايات المتحدة، وتصاعد المنافسة الاقتصادية مع الصين، والحرب الروسية الأوكرانية.
وفي هذا الإطار دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى أن تصبح أوروبا قوة ثالثة في عالم متعدد الأقطاب، عبر تقليل اعتمادها الأمني على واشنطن وتعزيز قدرتها الاقتصادية والتكنولوجية وهي فكرة يؤيدها 63% من مواطني دول الاتحاد الأوروبي، بحسب استطلاع لمؤسسة "برتلسمان".
لكن المشكلة الأساسية ليست في إدراك الحاجة إلى الاستقلال، بل في قدرة الدول الأوروبية على العمل معًا وتحمل تكاليفه وذلك وفقا لتحليل نشره موقع "ناشيونال إنترست" الأمريكي.
وأشار الموقع إلى أن الإنفاق الدفاعي للدول الأوروبية في حلف شمال الأطلسي (ناتو) شهد ارتفاعًا كبيرًا؛ إذ زاد إنفاق الدول الأعضاء في الناتو بنحو 20% عام 2025 مقارنة بالعام السابق.
وفي 2026، وصلت خمس دول إلى إنفاق يعادل 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي على المتطلبات الدفاعية الأساسية، بينما تتوقع 17 دولة تحقيق النسبة الإضافية المخصصة للاستثمارات المرتبطة بالدفاع.
إلا أن هذا التقدم غير متساوٍ ومجزأ فقد تركزت الزيادات بدرجة كبيرة في دول الجناح الشرقي لأوروبا ودول الشمال، بينما تعاني مشاريع التعاون العسكري الأوروبي من خلافات سياسية وصناعية مثل قرار ألمانيا التخلي عن شراكتها مع فرنسا في مشروع "نظام القتال الجوي المستقبلي".
وكثيرا ما تكرر الدول الأوروبية إنتاج الأسلحة نفسها، مثل الدبابات والطائرات القتالية والمدمرات والمدفعية، لأن الحكومات تريد حماية الوظائف والصناعات الوطنية والنتيجة هي إنفاق أوروبي أكبر، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى قوة عسكرية أوروبية متكاملة.
وبحسب التحليل فإن الاستقلال العسكري الأوروبي لا يمكن تحقيقه سريعًا فقد اعتمدت أوروبا على القوة العسكرية الأمريكية لثمانية عقود، لذا يتطلب الاستغناء عن الضمانات الأمريكية بناء قدرات ضخمة، من بينها أقمار الاستطلاع والاستخبارات، والصواريخ بعيدة المدى، والدفاع الجوي والصاروخي، وقدرات النقل الجوي والتزود بالوقود، إضافة إلى أنظمة اتصالات وبيانات قادرة على دمج الجيوش الوطنية في قوة متماسكة وهو ما يحتاج سنوات واستثمارات هائلة.
و لا تقتصر الاستقلالية على الدفاع فقد شدد ماريو دراغي الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، في تقريره الصادر عام 2024 حول تنافسية الاتحاد الأوروبي على ضرورة زيادة الاستثمار في التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية الرقمية.
لكن تنفيذ توصيات التقرير يسير ببطء؛ فبحسب المركز الأوروبي لابتكار السياسات، لم يُنفذ بالكامل سوى 16% من توصياته وتظهر المشكلة بوضوح في مجال الذكاء الاصطناعي.
وبدلا من الاعتماد على الولايات المتحدة أو الصين، تحتاج أوروبا إلى بناء منظومة ذكاء اصطناعي خاصة بها إلا أن نقص مراكز البيانات التي تعتمد على طاقة نظيفة، إلى جانب الحواجز الداخلية التي تحد من حجم الطلب الأوروبي، يعرقل تطوير نماذج أوروبية قادرة على رفع الإنتاجية.
كما أن شركات الابتكار الأوروبية تحصل على نصف التمويل الذي تحصل عليه الشركات الأمريكية المماثلة في وادي السيليكون، بينما تعتمد الشركات الناشئة الأوروبية بدرجة متزايدة على رأس المال الاستثماري الأمريكي.
ويرى المقال أن أحد أكبر العوائق أمام الاستقلالية الأوروبية هو استمرار المصالح الوطنية الضيقة فالدول الأعضاء البالغ عددها 27 دولة لديها قوانين وتنظيمات ومصالح صناعية مختلفة، ما يجعل إنشاء سوق أوروبية موحدة فعليًا أمرًا صعبًا.
ويتضح هذا الأمر في خلافات الدول حول صفقات التجارة والاستحواذات الكبرى إضافة إلى تعطيل فرنسا ودول أخرى لاتفاق التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ومنظمة "ميركوسور" في أمريكا اللاتينية نتيجة المعارضة الداخلية، خصوصًا من قطاعات زراعية.
و هناك أيضًا تكلفة اجتماعية للاستقلال الاستراتيجي فزيادة الإنفاق على الدفاع والتكنولوجيا والطاقة ستضغط على الموارد المخصصة للرعاية الصحية والمعاشات ودعم الأسر والأطفال.
وهنا تواجه الحكومات معضلة سياسية فالناخبون يريدون أمنًا أكبر، لكنهم قد يعارضون تقليص المزايا الاجتماعية لتمويله وأدت المعارضة لخفض المعاشات من أجل تمويل الدفاع إلى فوز حزب "البديل من أجل ألمانيا" من أقصى اليمين في الانتخابات المحلية.
ويحذر التحليل من أن الفوز المحتمل لمارين لوبان زعيمة حزب "التجمع الوطني" من أقصى اليمين في انتخابات الرئاسة الفرنسية العام المقبل سيمثل توسعا في توجه أوروبا نحو اليمين مع تصاعد القومية التي تعارض الأحزاب التقليدية والمؤسسات مثل الناتو والاتحاد الأوروبي.
ويسلط التحليل الضوء أيضًا على اختلاف الثقافة المالية الأوروبية عن الأمريكية فالأوروبيون يميلون بدرجة أكبر إلى السندات الحكومية والودائع والعقارات، بينما يستثمر الأمريكيون نسبة أكبر من ثرواتهم في الأسهم والأصول ذات المخاطر الأعلى وهو ما يقلل حجم رأس المال المتاح للشركات الناشئة والتكنولوجيا الجديدة.
ويقدر تقرير دراغي أن أوروبا كانت تحتاج إلى 750–800 مليار يورو سنويًا بحلول 2030 لسد فجوة الابتكار والطاقة المتجددة والدفاع، لكن الاحتياجات الحالية ارتفعت إلى نحو 1.2 تريليون يورو سنويًا بسبب تزايد عدم الاستقرار العالمي.