تقارير وحوارات

من الرياض إلى القاهرة.. هل تبحث السعودية عن بديل لتحالفاتها المحلية في اليمن؟

وكالة أنباء حضرموت

استقبل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، اليوم الثلاثاء، ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في القاهرة، في زيارة تأتي في واحدة من أكثر اللحظات حساسية بالنسبة لأمن البحر الأحمر، مع تصاعد المخاوف من تهديدات الحوثيين للملاحة واقتراب الخطر من مضيق باب المندب، بالتزامن مع أزمة عميقة تواجهها الاستراتيجية السعودية في اليمن بعد أحداث يناير 2026 وانسحاب الإمارات من الملف.

ولا يمكن، وفق هذه القراءة، فصل التحركات السعودية الحالية عن حصيلة أكثر من عقد من الحرب. فبعد سنوات من قيادة الرياض للتحالف، وجدت السعودية نفسها أمام واقع ميداني شديد التعقيد؛ إذ لا يزال الحوثيون القوة الأكثر تماسكًا في شمال اليمن، بينما لم تحقق جبهات أُنفقت عليها مليارات الدولارات الحسم الذي كانت الرياض تسعى إليه.

وفي المقابل، تعرضت القوى الجنوبية، التي حققت جانبًا مهمًا من الانتصارات الميدانية خلال سنوات الحرب، لضربة سياسية وعسكرية كبيرة بعد أحداث يناير.

القاهرة ومحاولة البحث عن شريك جديد

تضع زيارة ولي العهد السعودي إلى مصر أمن البحر الأحمر وباب المندب في صدارة الملفات التي تحظى باهتمام الرياض، خصوصًا مع تقاطع المصالح المصرية والسعودية في حماية الممر الملاحي الدولي.

وتأثرت مصر اقتصاديًا بتراجع حركة الملاحة في قناة السويس، فيما تواجه السعودية تهديدات متزايدة لمصالحها وممراتها البحرية، الأمر الذي يجعل تطورات الساحل الغربي لليمن أزمة تتجاوز حدود الصراع الداخلي.

وتشير تقارير إعلامية إلى أن الرياض تسعى للحصول على دعم مصري أكبر في ملف أمن البحر الأحمر، رغم أن القاهرة ظلت طوال السنوات الماضية حذرة من الانخراط العسكري المباشر في الحرب اليمنية.

ويأتي التحرك باتجاه مصر بعد محاولات سعودية للحصول على دعم أوسع من الولايات المتحدة ودول إقليمية أخرى، في مؤشر على أن الرياض تبحث عن ترتيبات جديدة في أعقاب الفراغ الذي تركه الانسحاب الإماراتي من الملف اليمني، بعد الدور الميداني الذي لعبته أبوظبي خلال السنوات الأولى للحرب.

أين أخفقت الاستراتيجية السعودية؟

تكشف تطورات البحر الأحمر وباب المندب، بحسب هذه القراءة، مشكلة تتجاوز تغير موازين القوى العسكرية إلى طبيعة الأدوات التي اعتمدت عليها الرياض في إدارة الحرب.

ففي الوقت الذي اعتمدت فيه الإمارات بدرجة كبيرة على بناء قوات محلية من أبناء المناطق، بينها قوات الحزام الأمني والنخب والقوات الجنوبية وألوية العمالقة، راهنت السياسة السعودية بدرجة أكبر على مكونات تقليدية في منظومة السلطة اليمنية، من قيادات مرتبطة بحزب الإصلاح وشخصيات من المؤتمر الشعبي العام وشيوخ قبائل وشبكات مصالح سياسية وعسكرية.

وتظهر نتائج الحرب، وفق هذا التحليل، اختلافًا واضحًا بين النموذجين.

فالقوات المحلية المدعومة إماراتيًا شاركت في تحرير عدن ومحافظات جنوبية من الحوثيين، وخاضت مواجهات ضد تنظيم القاعدة في مناطق من حضرموت وشبوة وأبين، كما شاركت في تأمين مناطق واسعة من الساحل الغربي.

في المقابل، ظلت جبهات شمالية عديدة، رغم سنوات التمويل والإسناد السعودي، تراوح مكانها أو تتراجع، بينما تصاعدت الانتقادات الموجهة إلى مؤسسات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا بسبب شبكات النفوذ والفساد والمحاصصة الحزبية والقبلية.

وبحسب هذه الرؤية، لم تكن المشكلة السعودية دائمًا في نقص المال أو السلاح، وإنما في اختيار الأدوات التي أُديرت بها المعركة؛ إذ راهنت الإمارات على قوى محلية ترتبط جغرافيًا واجتماعيًا بالمناطق التي تقاتل فيها، بينما أعادت الرياض في مراحل مختلفة الاعتماد على أدوات مرتبطة بمراكز النفوذ التقليدية التي كانت قائمة قبل الحرب.

يناير.. من التحالف إلى ما يراه الجنوبيون غدرًا

بلغ هذا التناقض ذروته، وفق القراءة الجنوبية للأحداث، خلال يناير 2026.

فمن وجهة نظر قطاعات من القوى الجنوبية، لم تكن القوات التي تحركت في حضرموت والمهرة قوة غازية عبرت الحدود السعودية أو هددت الأراضي السعودية، بل قوات جنوبية تحركت داخل مناطق تعتبرها جزءًا من الجنوب بهدف إعادة ترتيب الوضع الأمني والعسكري وفق رؤيتها.

وكانت المفارقة بالنسبة إلى هذا التيار أن السعودية، التي لم تتمكن طوال سنوات الحرب من إنهاء سيطرة الحوثيين على صنعاء أو حسم عدد من الجبهات الشمالية، استخدمت قوتها العسكرية ضد قوات جنوبية كانت شريكة لها في الحرب على الحوثيين والتنظيمات المتطرفة.

ولهذا ترسخت أحداث يناير، في الخطاب السياسي الجنوبي، باعتبارها مواجهة مع شريك سابق أكثر من كونها خلافًا عسكريًا عابرًا.

ويطرح هذا الموقف سؤالًا سياسيًا ظل حاضرًا في النقاش الجنوبي: إذا كانت السعودية قادرة على استخدام القوة العسكرية لمنع انتشار القوات الجنوبية في حضرموت، فلماذا لم يتحقق مستوى الحسم ذاته في مواجهة التهديدات الحوثية للممرات البحرية والمناطق التي تمثل تهديدًا مباشرًا لأمن المملكة والملاحة الدولية؟

من دفع ثمن إضعاف القوات الجنوبية؟

تكتسب هذه الأسئلة أهمية أكبر مع استمرار التهديدات في البحر الأحمر.

فالقوات الجنوبية كانت من أبرز القوى المحلية التي شاركت في القتال ضد الحوثيين والتنظيمات المتطرفة خلال سنوات الحرب، إلا أن العلاقة بينها وبين الرياض انتهت إلى مواجهة مباشرة أضعفت، بحسب هذه القراءة، مستوى الثقة السياسية والعسكرية الذي تأسس منذ انطلاق التحالف عام 2015.

والنتيجة، وفق هذا الطرح، أن السعودية خسرت في مرحلة واحدة تقريبًا ميزتين كانتا مهمتين في معادلة الحرب: شراكتها الميدانية مع الإمارات، وثقة قطاع من القوى الجنوبية التي شاركت في المعارك ضد الحوثيين.

وبعد ذلك، وجدت الرياض نفسها أمام حاجة متزايدة إلى توسيع دائرة الشركاء الإقليميين والدوليين لمواجهة المخاطر المرتبطة بالبحر الأحمر واليمن.

الجنوب: القتال ليس شيكًا على بياض

لا يعني ذلك، وفق الخطاب السياسي الجنوبي، أن القوى الجنوبية أصبحت في صف الحوثيين أو أنها ستتخلى عن الدفاع عن مناطقها.

بل على العكس، تنظر قوى جنوبية إلى الحوثيين باعتبارهم تهديدًا مباشرًا، وتؤكد استعدادها للدفاع عن عدن ولحج والضالع وشبوة وأبين وحضرموت والمهرة ومناطق باب المندب.

لكن ما تغير بعد أحداث يناير هو مفهوم الشراكة.

فلم يعد من السهل، بحسب هذا الطرح، مطالبة القوات الجنوبية بإرسال مقاتلين إلى جبهات بعيدة وتقديم تضحيات بشرية كبيرة، بينما تبقى قضيتها السياسية دون حسم، ثم تدخل في مواجهة مع تلك القوات عندما تحاول فرض رؤيتها الأمنية والسياسية داخل مناطق الجنوب.

ولهذا يتصاعد موقف يرى أن مشاركة الجنوبيين في أي مواجهة واسعة خارج مناطقهم ينبغي ألا تكون "شيكًا على بياض"، بل أن تتم في إطار شراكة سياسية وعسكرية واضحة تراعي القضية الجنوبية وتحترم التضحيات التي قدمتها القوات الجنوبية منذ 2015.

السعودية تدفع ثمن خياراتها

يكشف المشهد الحالي في البحر الأحمر، وفق هذا التحليل، حصيلة خيارات تراكمت على مدى سنوات.

فبدلًا من البناء المستمر على القوى التي أثبتت فاعليتها ميدانيًا، عادت الرياض في مراحل مختلفة إلى الرهان على أدوات تقليدية في منظومة الدولة اليمنية، من الأحزاب ومراكز النفوذ وشيوخ القبائل والقيادات العسكرية والسياسية التي لم تتمكن طوال سنوات الصراع من إحداث تحول استراتيجي في مواجهة الحوثيين.

وفي المقابل، اصطدمت الرياض بقوى جنوبية نشأت من واقع الأرض وتمتلك حاضنة اجتماعية ومصلحة مباشرة في حماية مناطقها.

ويظهر الفارق بين النموذجين، بحسب هذا الطرح، في النتائج الميدانية؛ إذ حققت القوات المحلية المدعومة إماراتيًا مكاسب واسعة في الجنوب والساحل ومواجهة تنظيم القاعدة، بينما استمرت جبهات أخرى في حالة استنزاف، وظل الحوثيون مسيطرين على صنعاء ومناطق واسعة من شمال البلاد، قبل أن يتحولوا إلى قوة قادرة على تهديد الملاحة الإقليمية والدولية.

من أبوظبي إلى القاهرة

في هذا السياق، لا تبدو زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة مجرد لقاء سعودي–مصري تقليدي، بل يمكن قراءتها باعتبارها جزءًا من محاولة إعادة ترتيب شبكة التحالفات الإقليمية في ظل المتغيرات التي شهدها الملف اليمني.

لكن تعويض الدور الإماراتي لا يتعلق، وفق هذا التحليل، باستبدال دولة بأخرى؛ إذ إن ميزة أبوظبي لم تكن مرتبطة بقدراتها العسكرية أو التمويلية فقط، وإنما بشبكة القوى المحلية التي بنتها وعملت معها على الأرض، وفي مقدمتها القوات الجنوبية والعمالقة والنخب المحلية.

ومهما بلغ الثقل العسكري والسياسي لمصر، فإنها لا تمتلك الشبكة المحلية نفسها، ولا تستطيع ببساطة إعادة إنتاج تجربة امتدت لسنوات داخل اليمن.

وهنا تكمن المعضلة التي تواجه الرياض، وفق هذه القراءة: المشكلة ليست فقط في العثور على حليف خارجي جديد، وإنما في كيفية استعادة الثقة مع الحلفاء المحليين الذين تضررت علاقتهم بالسعودية بعد أحداث يناير.

الخلاصة

منذ 2015، امتلكت السعودية والإمارات فرصة لبناء جبهة يمنية أكثر تماسكًا في مواجهة الحوثيين، إلا أن اختلاف منهجيهما في إدارة الملف أنتج نتائج مختلفة.

فالإمارات اعتمدت بدرجة كبيرة على قوى محلية، وحققت تلك القوى مكاسب ميدانية في الجنوب والساحل ومواجهة التنظيمات المتطرفة.

أما السعودية، فراهنت لفترات طويلة على قوى الدولة التقليدية والأحزاب وشبكات النفوذ والقبائل، وانتهى بها الأمر، بعد سنوات من الحرب والإنفاق، إلى واقع لا يزال فيه الحوثيون قوة رئيسية في شمال اليمن وقادرين على تهديد أمن الملاحة في البحر الأحمر.

ثم جاءت أحداث يناير لتضيف تعقيدًا جديدًا للعلاقة مع القوى الجنوبية، بعدما دخلت الرياض في مواجهة مع قوات كانت شريكة لها في مراحل سابقة من الحرب.

واليوم، بينما تبحث السعودية من القاهرة إلى واشنطن وعواصم إقليمية أخرى عن ترتيبات وشركاء جدد لمواجهة التحديات المرتبطة بالحوثيين والبحر الأحمر، يعود السؤال الذي تفرضه التطورات الأخيرة:

هل كانت مشكلة السعودية في اليمن نقص الحلفاء فعلًا، أم أنها خسرت بعض الحلفاء المحليين الذين حققوا لها مكاسب ميدانية، نتيجة خيارات سياسية وعسكرية أضعفت الثقة بالشراكة؟

مدير الخدمات الطبية يواصل تفقد جرحى الساحل الغربي في مستشفيات عدن


تحالف "رصد" يحذر من تفاقم أوضاع النازحين جراء التصعيد الحوثي في الساحل الغربي


هيومن رايتس: هجمات الحوثيين الأخيرة على سفن تجارية ترقى إلى جرائم حرب


محمد بن سلمان والرئيس السيسي يؤكدان أهمية ضمان أمن وحرية الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر