اخبار الإقليم والعالم

هرمز يختبر الاقتصاد المصري.. النفط يضغط والسويس تبحث عن التعويض

وكالة أنباء حضرموت

لا يصل اضطراب مضيق هرمز إلى الاقتصاد المصري عبر ناقلات النفط وحدها، وإنما ينتقل إلى مجموعة من القنوات المتشابكة تبدأ من فاتورة الطاقة ولا تنتهي عند سعر الدولار والتضخم والموازنة العامة. وبينما ترفع المخاطر المحيطة بالممر البحري تكلفة النفط والغاز عالميا، تجد القاهرة نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية: ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على مواردها من النقد الأجنبي، في حين يمكن لتحول بعض مسارات التجارة والشحن بعيدا عن هرمز أن يمنح قناة السويس فرصة لاستعادة جزء من أهميتها.

وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة في وقت لا تزال فيه مصر تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة لتلبية احتياجات السوق المحلية، ما يجعل أي قفزة مستمرة في أسعار النفط عبئا مباشرا على الحسابات المالية للدولة.

وقد أظهرت تقديرات حديثة لمورغان ستانلي أن تعرض مصر لارتفاع أسعار النفط أصبح أقل حدة مما كان عليه سابقا بفضل تحسن تدفقات التحويلات والاستثمار في قطاعي النفط والغاز، لكن البنك لا يستبعد بقاء مخاطر كبيرة إذا استمر اضطراب هرمز لفترة طويلة. وفي أحد السيناريوهات الأسوأ، قد يصل عجز الطاقة في مصر إلى نحو 23 مليار دولار خلال العام المالي 2027.

المشكلة الأساسية بالنسبة إلى القاهرة أن ارتفاع سعر برميل النفط لا يعني فقط زيادة قيمة الواردات. فكل دولار إضافي في أسعار الطاقة يمكن أن يتسرب إلى تكاليف النقل والكهرباء والصناعة والسلع، ويضع ضغوطا إضافية على التضخم.

الخطر الأكبر على القاهرة ليس أن يقفز النفط ليوم أو أسبوع، وإنما أن تتحول أسعار الطاقة المرتفعة واضطرابات الملاحة إلى وضع طبيعي جديد

وتأتي هذه المخاطر في وقت شهدت فيه أسعار النفط تقلبات حادة بفعل أزمة هرمز، بعدما أصبح المضيق أحد أبرز مصادر عدم اليقين في السوق العالمية. ويمر عبره نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمنتجات النفطية، أي ما يقارب ربع تجارة النفط المنقولة بحرا عالميا.

وبالتالي، فإن استمرار اضطراب الملاحة لا يمثل مشكلة لدول الخليج وحدها. بالنسبة إلى مصر، يمكن أن يتحول إلى مشكلة عملة صعبة: فاتورة استيراد أعلى تعني طلبا أكبر على الدولار، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى توجيه مواردها الدولارية إلى الغذاء والدواء وخدمة الدين وتمويل الواردات الأساسية.

وهنا تتقاطع أزمة النفط مع سعر الجنيه. فحتى إذا بقيت أسعار الصرف مستقرة نسبيا، فإن ارتفاع تكلفة الواردات يمكن أن يعيد الضغط على العملة، أو يجبر الحكومة والبنك المركزي على إدارة موارد النقد الأجنبي بحذر أكبر.

وتتجاوز آثار النفط القطاع الخارجي لتصل إلى الموازنة. فارتفاع أسعار الوقود عالميا يزيد تكلفة تدبير احتياجات السوق المحلية، ويضع الحكومة أمام خيارين صعبين: تحمل جزء أكبر من التكلفة للحفاظ على استقرار الأسعار، أو تمرير الزيادة إلى المستهلكين بما قد يرفع التضخم ويزيد تكلفة المعيشة.

وهذا الملف حساس بصورة خاصة بعد سنوات من محاولات إصلاح دعم الطاقة وإعادة هيكلة أسعار الوقود. لذلك فإن استمرار ارتفاع النفط قد يعقد حسابات الحكومة بشأن توقيت تحريك الأسعار، في وقت تشير فيه توصيات صندوق النقد الدولي إلى ضرورة مواصلة إصلاحات الطاقة.

لكن المفارقة أن مصر لا تقف تماما في الجانب الخاسر من أزمة هرمز.

فكلما ارتفعت المخاطر حول هرمز والبحر العربي، ازدادت أهمية المسارات البديلة التي تربط الخليج بالأسواق الأوروبية. ومع تحول جزء من حركة الطاقة والتجارة إلى البحر الأحمر وقناة السويس، يمكن للقاهرة أن تستعيد بعض الإيرادات التي فقدتها بسبب اضطرابات الملاحة خلال السنوات الأخيرة.

وهذه ليست فرضية بعيدة. فقد بدأت بالفعل شركات ومشغلون بحريون يبحثون عن طرق بديلة، فيما دفعت أزمة هرمز بعض شحنات النفط السعودية والخليجية إلى التوجه شمالا عبر البحر الأحمر نحو قناة السويس وخط سوميد.

كما تبحث هيئة قناة السويس مع شركات شحن كبرى زيادة الخدمات الملاحية العابرة للقناة، في إشارة إلى محاولة القاهرة الاستفادة من إعادة تشكيل طرق التجارة العالمية.

لكن عائدات القناة وحدها لن تكون بالضرورة كافية لتعويض ارتفاع فاتورة الطاقة إذا استمر النفط عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة. وهنا تكمن المفارقة المصرية: قد تربح القاهرة من مرور ناقلات إضافية عبر السويس، لكنها قد تدفع أكثر بكثير لشراء الطاقة التي تحتاجها.

وهذا ما يجعل أزمة هرمز مختلفة عن الأزمات السابقة التي واجهت الاقتصاد المصري. فمصر لا تتعامل مع صدمة واحدة، بل مع تأثيرين متناقضين في الوقت نفسه.

الأول هو صدمة النفط: ارتفاع الأسعار، زيادة فاتورة الواردات، الضغط على الموازنة والحساب الجاري، وزيادة الطلب على الدولار.

مع تحول جزء من حركة الطاقة والتجارة إلى البحر الأحمر وقناة السويس، يمكن للقاهرة أن تستعيد بعض الإيرادات التي فقدتها

والثاني هو صدمة الملاحة: إذا أعادت شركات الطاقة والتجارة اكتشاف قناة السويس كطريق أكثر أمانا أو ضرورة استراتيجية، فقد تستفيد القناة من زيادة حركة السفن والناقلات.

لكن استمرار المكاسب يتوقف على عاملين: مدة اضطراب هرمز، ومستوى المخاطر في البحر الأحمر. فإذا بقيت طرق البحر الأحمر آمنة نسبيا، يمكن لقناة السويس أن تستعيد دورا أكبر في حركة الطاقة والتجارة. أما إذا اتسعت المخاطر لتشمل البحر الأحمر نفسه، فإن القاهرة ستخسر في الوقت ذاته من ارتفاع النفط ومن تراجع حركة القناة.

هل تستطيع مصر امتصاص الصدمة؟

لدى القاهرة بعض الهوامش التي لم تكن متاحة في أزمات سابقة. فقد ساعدت التحويلات والاستثمارات وتدفقات النقد الأجنبي في تقوية القدرة على مواجهة صدمات أسعار الطاقة، كما أن تطوير إنتاج الغاز والنفط المحلي يمكن أن يقلل جزئيا من الاعتماد على الواردات.

لكن هذه الهوامش ليست بلا حدود.

فاستمرار الأزمة يعني أن مصر تحتاج إلى مزيد من الدولارات لشراء الطاقة، في الوقت الذي تحتاج فيه أيضا إلى حماية الاحتياطيات وتمويل الواردات وخدمة الديون. وكلما طال أمد الأزمة، أصبح السؤال أقل ارتباطا بسعر النفط في يوم معين وأكثر ارتباطا بمدة بقائه مرتفعا.

وهنا تتحول أزمة هرمز من أزمة جيوسياسية بعيدة عن مصر إلى اختبار مباشر لقدرة الاقتصاد المصري على امتصاص الصدمات الخارجية.

فالخطر الأكبر على القاهرة ليس أن يقفز النفط ليوم أو أسبوع، وإنما أن تتحول أسعار الطاقة المرتفعة واضطرابات الملاحة إلى وضع طبيعي جديد. عندها لن تكون إيرادات قناة السويس وحدها كافية لتغطية فاتورة الطاقة، وقد تجد مصر نفسها أمام معادلة أصعب: كلما ارتفعت قيمة النفط الذي يمر في طرق التجارة، ارتفعت في المقابل تكلفة النفط الذي تحتاج إلى استيراده.

وبذلك، يصبح مضيق هرمز بالنسبة إلى مصر أكثر من ممر نفطي عالمي؛ إنه اختبار للدولار والموازنة والتضخم وقناة السويس في آن واحد.

هالاند يتخلى عن شعره الأشقر الطويل ويظهر بإطلالة تخطف الأنظار


بعد سنوات من الغياب، فضل شاكر أمام عودة مرتقبة إلى مسرح دمشق


الصراع على الإعلام الوطني يعكس انقسامات عميقة في هرم السلطة الإيرانية


الخطر الأمني الجديد في أفريقيا.. هشاشة السلام وقود للصراع