ثقافة وفنون

السينما المغربية أمام سؤال السيناريو المتجدد

وكالة أنباء حضرموت

تحتل السينما المغربية منذ عقود موقعًا بارزًا في المشهد الثقافي والفني، بوصفها مساحة للتعبير عن تحولات المجتمع وأسئلته وقضاياه، ومجالًا رحبًا للتجريب الجمالي وتعدد الرؤى. غير أن هذا المسار الإبداعي يواجه تحديات بنيوية تظهر بوضوح في مرحلة كتابة السيناريو وتطويره؛ فالسيناريو ليس مجرد نص سابق على الفيلم، بل هو بنيته الأساسية التي تتحول من خلالها الفكرة والخيال إلى بناء درامي قابل للتجسيد والإنتاج.

ويمر هذا المسار، في المغرب، عبر منظومة رسمية أساسية تتمثل في لجنة دعم إنتاج الأعمال السينمائية التابعة للمركز السينمائي المغربي، التي تمنح تسبيقات على المداخيل قبل الإنتاج وبعده، إلى جانب دعم كتابة السيناريو وإعادة تطويره. وعلى الرغم من أهمية هذا الدعم في تحريك عجلة الإنتاج، يرى عدد من المهنيين أنه يظل محدودًا قياسًا بحجم العمل المطلوب، فضلًا عما تفرضه آلياته من شروط وإجراءات قد تجعل انتقال السيناريو من الورق إلى الشاشة مسارًا طويلًا ومعقدًا.

حماية المال العام وحماية الخيال

تكشف هذه الوضعية عن مفارقة أساسية: فحرص لجنة الدعم على جودة المشاريع ومتابعة مراحل إنجازها يلتقي من جهة مع ضرورة حماية المال العام، لكنه يصطدم من جهة أخرى بمحدودية الموارد المالية التي لا تسمح دائمًا بتحويل السيناريو إلى فيلم مكتمل الإمكانات.

ولا يتعلق الأمر بالمال وحده، إذ تتصل الأزمة أيضًا بما يُعرف منذ سنوات بأزمة السيناريو في السينما المغربية، وما يرافقها من ضعف في التكوين، وهيمنة المخرج على عملية الكتابة، وندرة النصوص المستقلة والقوية، وصعوبة تمويل المراحل الأولى من التطوير.

فالسيناريو الطموح يحتاج إلى وقت للبحث والكتابة والمراجعة والتجريب، وإلى عمل متواصل على الشخصيات والحوار والإيقاع والبناء الدرامي. وهي مراحل تتطلب موارد مادية ومهنية لا توفرها الإمكانات المحدودة دائمًا.

وتعمل لجنة الدعم وفق دورات منتظمة تدرس خلالها مشاريع الأفلام الروائية والوثائقية والقصيرة، فضلًا عن مشاريع كتابة السيناريو وإعادة تطويره. وتُخصص مبالغ لدعم الكتابة تتراوح عادة بين 80 ألفًا و100 ألف درهم مغربي (1 درهم يساوي0.11 دولار أميركي)، وهي قيمة تبدو محدودة إذا ما قورنت بحجم البحث والتطوير وإعادة الكتابة التي يحتاجها السيناريو المتكامل.

أما الدعم المخصص لما قبل الإنتاج، فقد يصل إلى ملايين الدراهم بالنسبة إلى بعض المشاريع الكبرى، لكنه يظل مرتبطًا بموافقة اللجنة على السيناريو والملف الإنتاجي.

ولا يمكن اعتبار هذا التدقيق سلبيًا في ذاته؛ فالدعم العمومي يحتاج إلى معايير للانتقاء والتقييم، كما أن حماية المال العام تقتضي التأكد من جدوى المشاريع وجودتها. لكن الإشكال يبدأ حين تتجاوز المراجعة حدود التقييم المهني لتطال جوهر الرؤية الإبداعية، فيُطلب من الكتاب والمخرجين إدخال تعديلات قد تنسجم مع تصورات لجنة الدعم أكثر مما تنسجم مع الرؤية الأصلية لصاحب المشروع.

ومن هنا تظهر ظاهرة أكثر خطورة: الرقابة الذاتية. إذ قد يبدأ بعض المبدعين في التفكير، منذ المراحل الأولى للكتابة، فيما يمكن أن يكون مقبولًا لدى اللجنة، فيتجنبون الأفكار الجريئة أو الأساليب السردية غير التقليدية خشية الرفض أو الدخول في سلسلة طويلة من التعديلات التي قد تغير ملامح المشروع.

كاتب السيناريو.. الحلقة الأضعف

تتجلى محدودية التمويل بصورة أكبر في مرحلة كتابة السيناريو وتطويره. فالمبلغ المخصص للكاتب لا يوفر دائمًا شروط التفرغ لشهور طويلة لإنجاز مشروع يتطلب البحث والقراءة والمقابلات والزيارات الميدانية والاستشارات وإعادة الصياغة.

وعندما لا يجد الكاتب دعمًا يسمح له بالتفرغ، يضطر إلى ممارسة الكتابة في أوقات الفراغ أو الجمع بينها وبين أعمال أخرى، وهو ما قد يؤثر في مستوى النص ونضجه. ولا تتوقف المشكلة عند مرحلة الكتابة، بل تمتد إلى الإنتاج نفسه، مع ارتفاع تكاليف المعدات والممثلين ومواقع التصوير والمونتاج وما بعد الإنتاج.

كتابة السيناريو تواجه تحديات مختلفة تكشف الحاجة إلى منظومة أكثر مرونة لبناء صناعة سينمائية مستدامة

وفي مواجهة هذه التكاليف، يلجأ المنتجون إلى البحث عن تمويلات إضافية وشراكات دولية ومصادر استثمار أخرى، أو يضطرون إلى تقليص الطموح الفني للمشروع بما يتلاءم مع الميزانية المتاحة. وهنا يمكن أن ينتقل السيناريو من رؤية فنية واسعة إلى صيغة أكثر محدودية تفرضها الإمكانات المالية.

ويفسر هذا الوضع، جزئيًا، استمرار ظاهرة المخرجين الذين يكتبون أعمالهم بأنفسهم، بما يمنحهم سيطرة كاملة على المشروع منذ بدايته، لكنه في المقابل يحد من حضور كاتب السيناريو بوصفه اختصاصًا مهنيًا مستقلًا يحتاج إلى تكوين وخبرة وممارسة متواصلة.

والنتيجة ندرة في النصوص السينمائية المستقلة والقوية، وضعف فرص الكتاب الجدد في بناء مسار احترافي مستقر، بما ينعكس على البناء الدرامي والحوار وتطور الشخصيات، وهي عناصر أساسية في نجاح أي فيلم.

إعادة بناء منظومة الدعم

وتنعكس هذه الظروف على المشهد السينمائي المغربي في مستويات عدة؛ فعلى مستوى الجودة، يسجل عدد من النقاد والمهنيين ملاحظات تتعلق بالبناء الدرامي والحوار وتطور الشخصيات في بعض الأعمال، بينما تواجه المشاريع التي تخرج عن المواضيع المألوفة أو الأساليب التقليدية صعوبات أكبر في الوصول إلى مرحلة الإنتاج، بما قد يضيّق مساحة التجريب والتنوع الجمالي.

ويحتاج تكوين كتاب السيناريو المحترفين إلى اهتمام أكبر، عبر المؤسسات الأكاديمية والورش المهنية والإقامات الفنية، إلى جانب توفير آليات مستمرة لدعم تطوير النصوص قبل انتقالها إلى التصوير.

كما تبرز الحاجة إلى تشجيع فرق الكتابة وإتاحة فرص حقيقية أمام المؤلفين للانخراط في مشاريع سينمائية متنوعة، بدل حصر عملية الكتابة في المخرج وحده.

من هنا، تبدو إعادة صياغة العلاقة بين الدعم والرقابة ضرورة ملحة. فالتدقيق في استخدام المال العام حاجة مشروعة، لكن ينبغي أن يترافق مع قدر أكبر من المرونة والاستقلالية الفنية. وإذا كانت لجنة الدعم تتابع المشاريع وتطلب تعديلات متكررة، فمن الضروري أن تكون الموارد المخصصة للكتابة والتطوير متناسبة مع حجم العمل المطلوب.

ويمكن في هذا السياق رفع قيمة الدعم المخصص لكتابة السيناريو، ومنح الكتاب مساحة زمنية كافية لتطوير مشاريعهم بعيدًا عن ضغط الإنتاج الفوري، فضلًا عن إنشاء لجان متخصصة في السيناريو تضم كتابًا ونقادًا وروائيين وخبراء في الدراماتورجيا، بما يسمح بقراءة النصوص من زاوية فنية أكثر تخصصًا.

كما يستحسن تخصيص موارد أكبر للبحث والورش وإعادة الكتابة والتطوير، وتشجيع التمويل المختلط والإنتاج المشترك دون تحويلهما إلى وسيلة لفرض تنازلات على أصحاب المشاريع، بالتوازي مع الاستثمار في التكوين الأكاديمي والمهني.

منطق الدعم إلى بناء الصناعة

تؤكد أزمة السيناريو أن المشكلة تتجاوز حدود الجانب التقني أو المالي، لتتصل بالسؤال الأوسع حول بناء صناعة ثقافية حقيقية قادرة على الاستمرار والتطور.

فالرقابة الإدارية، مهما كانت دوافعها إيجابية، يمكن أن تتحول إلى قيد على الإبداع إذا لم ترافقها موارد كافية ومرونة تحمي الرؤية الفنية. كما أن ضعف التمويل قد يحول الطموح الإبداعي إلى مشروع مؤجل، في وقت يمتلك فيه المغرب طاقات بشرية وفنية قادرة على إنتاج سينما متميزة والمنافسة على المستوى الدولي.

وتحتاج هذه الطاقات إلى بيئة مهنية تحرر السيناريو من ثنائية الرقابة الضيقة والتمويل المحدود، وتمنح الكاتب والمخرج والمنتج فرصًا متوازنة للتطوير والإنجاز.

لذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى الانتقال من منطق الدعم المرتبط بالدورات الإدارية السنوية إلى رؤية استراتيجية طويلة الأمد تستثمر في الكاتب والنص والتكوين والتطوير والإنتاج والتوزيع. فالصناعة السينمائية القوية لا تبدأ عند الكاميرا، بل تبدأ من الفكرة، ثم البحث والكتابة والتطوير.

وإذا نجح المغرب في توفير شروط أكثر عدلًا ومرونة لهذه المراحل، فسيكون قادرًا على تحويل المشاريع الواعدة إلى أعمال ذات قيمة فنية وثقافية، وبناء صناعة سينمائية أكثر استقلالية واستدامة وقدرة على الحضور في المشهدين الوطني والدولي.

هل يُنهي الضغط الشعبي إفلات قتلة النساء في سوريا؟


الحسم الاقتصادي.. ترامب يوقف الحرب ويتخلى عن مضيق هرمز


واشنطن تعدل قانونا يتعلق بحزب الله


هالاند يحرض برناردو سيلفا على ريال مدريد