اخبار الإقليم والعالم
الفيدرالي يؤجل الحسم.. تضخم يتراجع ومخاطر التشديد تتصاعد
كشف محضر اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية الذي عُقد يومي 28 و29 يوليو/تموز 2026 الكثير من حسابات الاحتياطي الفيدرالي.
فقد اختار أعضاؤه الإبقاء على أسعار الفائدة عند نطاق 3.5% إلى 3.75% رغم وجود ميل محدود داخل اللجنة نحو تشديد السياسة النقدية.
ويعكس القرار موازنة دقيقة بين تضخم لم ينتهِ بعد واقتصاد قد تظهر عليه علامات الضعف.
وفي الوقت الراهن، ترى الأغلبية أن الانتظار ومراقبة البيانات هو الخيار الأقل مخاطرة، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام رفع الفائدة إذا لم يتأكد مسار انخفاض التضخم.
وكانت أبرز إشارة إلى الانقسام داخل اللجنة معارضة ثلاثة مسؤولين للقرار، هم بيث هاماك ولوري لوجان ونيل كاشكاري، الذين أيدوا رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس بشكل فوري. في المقابل، صوت تسعة أعضاء لصالح الإبقاء على الفائدة دون تغيير، بينما رأى «عدة» مشاركين أن رفعها قد يصبح مناسبًا إذا لم يتراجع التضخم. ومع ذلك، حظي الإبقاء على الفائدة بتأييد «معظم» أعضاء اللجنة، ما يشير إلى أن الأغلبية لم تر بعد أدلة كافية تبرر الانتقال إلى تشديد جديد.
محضر الفيدرالي الأمريكي يهز الأسواق.. تلميح برفع الفائدة إذا استمر التضخم
أسباب عديدة
ومن ناحية أخرى، فإنه رغم استمرار التضخم فوق هدف الفيدرالي البالغ 2%، قدمت البيانات الأخيرة سببًا إضافيًا لعدم التحرك الفوري.
فقد ارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة 0.1% فقط في يوليو/تموز، في ثاني قراءة شهرية متتالية تشير إلى اعتدال ضغوط الأسعار. لكن هذا التحسن لم يكن كافيًا لإقناع جميع المسؤولين بأن التضخم يتجه بشكل مستدام نحو هدف البنك المركزي. ولذلك؛ فضّل بعضهم الانتظار للحصول على مزيد من الأدلة بدل رفع الفائدة استنادًا إلى مخاطر مستقبلية لم تتحقق بعد.
السبب الأهم وراء الإبقاء على الفائدة هو أن مخاطر التوظيف والنمو أصبحت تميل إلى الجانب السلبي. فبينما يرى مسؤولو الفيدرالي أن مخاطر التضخم تميل إلى الاتجاه الصعودي، فإنهم يواجهون في المقابل احتمال ضعف النشاط الاقتصادي وسوق العمل.
هذه المفاضلة تجعل رفع الفائدة قرارًا أكثر حساسية؛ إذ أن تشديد السياسة النقدية لكبح التضخم قد يؤدي في الوقت نفسه إلى إضعاف الطلب الاقتصادي وسوق العمل. ولذلك؛ يبدو أن غالبية المسؤولين فضلت انتظار المزيد من البيانات قبل المخاطرة برفع تكاليف الاقتراض.
الطاقة والشرق الأوسط
وكان انخفاض أسعار الطاقة قد ساعد مؤقتًا في تهدئة التضخم خلال فترة من الهدوء في الحرب مع إيران، لكن تصاعد المواجهات مجددًا أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود، ما يرفع خطر انتقال تكاليف الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات في الأشهر المقبلة.
ولهذا السبب، فإن الفيدرالي يجد نفسه أمام معادلة معقدة: البيانات الحالية تسمح بالانتظار، لكن التطورات الجيوسياسية قد تجعل الانتظار أكثر خطورة إذا عادت أسعار الطاقة إلى الارتفاع بقوة.
في المقابل، لا يستطيع الفيدرالي تجاهل احتمال عودة التضخم إلى الارتفاع، خصوصًا مع تركيز المسؤولين على أسعار الطاقة والتطورات في الشرق الأوسط.
الذكاء الاصطناعي
وقد يؤدي ارتفاع أسعار الرقائق إلى انتقال الضغوط السعرية إلى منتجات أخرى، مثل الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والكهرباء، ما يجعل من الصعب على الفيدرالي افتراض أن التضخم سيواصل الانخفاض تلقائيًا.
الرسوم الجمركية ربما تجاوزت ذروة تأثيرها
في المقابل، هناك عامل قد يساعد الفيدرالي على تجنب رفع الفائدة في الوقت الحالي، وهو أن عدة مسؤولين رأوا أن تأثير ارتفاع الأسعار الناجم عن الرسوم الجمركية قد انتقل بالفعل إلى المستهلكين بالكامل.
وإذا كان الجزء الأكبر من تأثير الرسوم قد انعكس بالفعل على الأسعار، فإنها قد لا تمثل مصدرًا متجددًا للضغوط التضخمية بنفس القوة، الأمر الذي يمنح الفيدرالي فرصة لمراقبة البيانات بدل الاستجابة برفع فوري للفائدة.
فإذا ترسخت لدى العمال والشركات توقعات باستمرار التضخم المرتفع، فقد يطالب العمال بزيادات أكبر في الأجور، بينما ترفع الشركات أسعار منتجاتها وخدماتها تحسبًا لاستمرار ارتفاع التكاليف.
وقد يؤدي ذلك إلى حلقة تضخمية يصعب كسرها لاحقًا، وهو السيناريو الذي قد يجبر الفيدرالي في النهاية على تشديد السياسة النقدية بقوة أكبر.
برزت كذلك طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي باعتبارها عاملًا قد يبقي التضخم مرتفعًا. فالإنفاق الضخم على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يزيد الطلب على الكهرباء والعمالة الماهرة وأشباه الموصلات.
ومع ذلك، يبقى لدى المسؤولين قلق أعمق من مجرد ارتفاع مؤقت في الأسعار. فقد أظهر المحضر أن «العديد» منهم يخشون أن تصبح موجة جديدة من التضخم ذاتية التعزيز.
الانتظار أفضل
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن منطق الأغلبية داخل الفيدرالي يقوم على أن تكلفة الانتظار حاليًا أقل من تكلفة رفع الفائدة بشكل استباقي.
فالتضخم أظهر بعض علامات التهدئة، بينما تميل مخاطر النمو والتوظيف إلى الجانب السلبي. وفي الوقت نفسه، لا تزال هناك مخاطر تضخمية واضحة مرتبطة بالطاقة والشرق الأوسط والذكاء الاصطناعي، لكنها لم تتحول بعد إلى دليل قاطع على ضرورة رفع الفائدة.
ولهذا اختارت الأغلبية الإبقاء على الفائدة، مع الاحتفاظ بخيار رفعها لاحقًا إذا أظهرت البيانات أن التضخم لا يتراجع أو بدأ في التسارع مجددًا.
وفي السياق نفسه، طرح رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش خفض عدد اجتماعات السياسة النقدية من 8 إلى 6 اجتماعات سنويًا.
ووفقًا للمحضر، فإن ذلك سيسمح للمسؤولين بتجميع قدر أكبر من المعلومات بين الاجتماعات ومنحهم وقتًا أطول «للنظر في قضايا السياسة النقدية الاستراتيجية».
ولا يعني هذا المقترح بالضرورة تحولًا في موقف الفيدرالي من أسعار الفائدة، لكنه يعكس رغبة في منح صناع السياسة مساحة أكبر لتحليل البيانات والتطورات الاقتصادية قبل اتخاذ قرارات متتالية بشأن الفائدة.