اخبار الإقليم والعالم
غارات مجهولة على قاعدة عسكرية سورية
أعادت أربع غارات جوية استهدفت فجر الثلاثاء مدرج مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الجنوبي الشرقي، ملف التنافس الإقليمي على سوريا إلى الواجهة، في وقت لا تزال فيه هوية الطائرات المنفذة للهجوم غير مؤكدة، وسط ترجيحات محلية بأن تكون إسرائيل وراء الضربة.
ولا يمثل استهداف المطار مجرد حادث أمني منفصل، إذ يأتي في سياق مرحلة جديدة تشهدها سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد، حيث باتت المنشآت والقواعد العسكرية السابقة للنظام جزءاً من حسابات القوى الإقليمية والدولية المتنافسة على النفوذ في البلاد.
ويقع مطار أبو الظهور على بعد نحو 27 كيلومتراً شرق مدينة سراقب، بالقرب من بلدة أبو الظهور، ويتمتع بموقع جغرافي حساس نتيجة وقوعه عند نقطة تقترب من محافظات إدلب وحماة وحلب، فضلاً عن قربه من البادية السورية.
وقد جعل هذا الموقع منه على مدى سنوات قاعدة عسكرية ذات أهمية في العمليات العسكرية شمال وشرق البلاد.
واستهدف الهجوم، الذي نُفذ بأربع غارات، مدرج المطار، من دون صدور معلومات رسمية تحدد هوية الطائرات أو الجهة التي تقف وراء العملية أو حجم الأضرار والخسائر.
وتكتسب الضربة أهمية إضافية لأنها الأولى من نوعها التي تطال مطار أبو الظهور منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول أسباب اختيار المطار في هذا التوقيت تحديداً.
فالمطار ليس منشأة عسكرية عادية، بل كان واحداً من أبرز القواعد التابعة للنظام السابق، وشكل خلال سنوات الحرب نقطة ارتكاز للعمليات العسكرية في مناطق واسعة من شمال سوريا. كما يضم عدة مدارج ومنشآت عسكرية، فيما تختلف التقديرات حول مساحته بين نحو 16 و23 كيلومتراً مربعاً.
وبالتالي، فإن استهدافه قد يحمل بعداً يتجاوز تدمير منشأة عسكرية، ليصل إلى محاولة منع إعادة توظيفها ضمن ترتيبات عسكرية جديدة في سوريا.
ورغم غياب تأكيد رسمي، تتجه الأنظار إلى إسرائيل باعتبارها الجهة الأكثر ترجيحاً في التقديرات المحلية، خصوصاً أن إسرائيل نفذت منذ سقوط نظام الأسد سلسلة واسعة من الضربات ضد مواقع عسكرية سورية ومستودعات أسلحة ومطارات ومنشآت استراتيجية.
وقد شملت الضربات السابقة مواقع في محيط دمشق والساحل السوري وحمص، إلى جانب مطارات عسكرية، قبل أن تتراجع وتيرتها في بعض المناطق، بينما استمرت التحركات الإسرائيلية البرية في جنوب سوريا.
وفي حال ثبت أن إسرائيل تقف وراء استهداف أبو الظهور، فإن الضربة ستكتسب دلالة استراتيجية جديدة، لأنها ستعني أن المنشآت العسكرية الواقعة شمال سوريا لا تزال ضمن بنك الأهداف الإسرائيلية، حتى بعد تغير النظام السياسي والعسكري في دمشق.
لكن التطور الأبرز هو أن الضربة تأتي وسط تصاعد التنافس بين إسرائيل وتركيا على مستقبل سوريا الجديدة.
استهداف مطار أبو الظهور يكشف أن المنشآت العسكرية السورية السابقة لم تفقد أهميتها مع سقوط النظام السابق، بل تحولت إلى أوراق في صراع جديد على شكل الدولة السورية وقدراتها العسكرية.
فبعد انهيار نظام الأسد، فقدت إيران جزءاً كبيراً من النفوذ الذي كانت تتمتع به داخل سوريا، ما فتح المجال أمام قوى أخرى لمحاولة ملء الفراغ.
وكانت تركيا من أبرز المستفيدين من التحول الجديد، مستندة إلى علاقاتها مع السلطة السورية الجديدة وإلى حضورها السياسي والأمني المتزايد.
وتنظر إسرائيل إلى هذا الحضور التركي بقدر متزايد من الحذر، خصوصاً إذا تحول إلى نفوذ عسكري وأمني دائم، أو أدى إلى تعزيز القدرات العسكرية السورية الجديدة.
ومن هنا، يمكن قراءة استهداف قاعدة عسكرية في شمال سوريا باعتباره جزءاً من الحسابات المتعلقة بمنع أي ترتيبات عسكرية قد تحد من حرية الحركة الإسرائيلية مستقبلاً.
وتأتي الضربة أيضاً بعد تقارير إسرائيلية تحدثت عن طلب تل أبيب من واشنطن تنفيذ ضربة إضافية داخل سوريا، على خلفية تنامي التحركات التركية.
وبحسب تلك التقارير، فإن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يسعى إلى تعزيز حضور بلاده في سوريا بالتنسيق مع الإدارة السورية الجديدة وبدعم من واشنطن، الأمر الذي يثير مخاوف إسرائيلية من تشكل واقع استراتيجي جديد على حدودها الشمالية.
ويكتسب الموقف الأميركي أهمية خاصة في هذه المعادلة، لأن واشنطن تحاول في الوقت نفسه الحفاظ على علاقاتها مع تركيا ومنع تحول التنافس الإسرائيلي-التركي إلى مواجهة مباشرة.
وإذا صح أن واشنطن حالت دون تنفيذ ضربة إسرائيلية سابقة، فإن ذلك قد يعكس تعقيداً متزايداً في العلاقة بين الحليفين، خصوصاً مع تقارب إدارة الرئيس دونالد ترامب مع أنقرة.
ويكشف استهداف مطار أبو الظهور أن المنشآت العسكرية السورية السابقة لم تفقد أهميتها مع سقوط النظام السابق، بل تحولت إلى أوراق في صراع جديد على شكل الدولة السورية وقدراتها العسكرية.
فتركيا تريد تثبيت نفوذها ومنع عودة التهديدات التي تمس أمنها، بينما تسعى إسرائيل إلى منع أي قوة إقليمية من بناء نفوذ عسكري داخل سوريا يمكن أن يحد من قدرتها على التحرك.
وبين الطرفين، تجد سوريا الجديدة نفسها أمام تحدٍ بالغ الحساسية: إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية من دون أن تتحول أراضيها إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وعليه، فإن غارات أبو الظهور، سواء ثبتت مسؤولية إسرائيل عنها أم بقيت الجهة المنفذة مجهولة، تحمل رسالة واضحة: المعركة على سوريا لم تنته بسقوط النظام السابق، بل دخلت مرحلة جديدة عنوانها إعادة توزيع النفوذ والسيطرة على مواقع القوة العسكرية والاستراتيجية.