اخبار الإقليم والعالم

مخيمات حزب الله الصيفية.. كيف يُصنع جيل جديد من المقاتلين؟

وكالة أنباء حضرموت

لا تبدو المخيمات الصيفية التابعة لكشافة الإمام المهدي في لبنان، وفق ما يورده تقرير نشرته صحيفة «نيويورك بوست»، مجرد مساحة للترفيه أو النشاط الاجتماعي، بل تمثل جزءاً من منظومة أوسع لبناء الهوية الأيديولوجية والتنظيمية لدى الأطفال والشباب المرتبطين بحزب الله.

وتكمن أهمية هذه المخيمات في أنها تعمل على مدى سنوات طويلة، فتبدأ مع الأطفال بأنشطة كشفية ورياضية وترفيهية، قبل أن تنتقل مع تقدم المشاركين في العمر إلى مستويات أكثر ارتباطاً بأفكار «المقاومة» و«التضحية»، وصولاً إلى تقديم تدريبات تتعلق بالأسلحة للمراهقين الأكبر سناً.

وبهذا المعنى، فإن الرهان لا يبدو منصباً فقط على تجنيد مقاتلين في الوقت الحاضر، وإنما على بناء جيل جديد يحمل تصوراً أيديولوجياً يجعل الانضمام إلى التنظيم المسلح لاحقاً امتداداً طبيعياً لمسار بدأ منذ الطفولة.

وتأسست كشافة الإمام المهدي في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وحصلت على اعتراف رسمي من الحكومة اللبنانية عام 1992، وتعلن التزامها بمبدأ «ولاية الفقيه»، المرتبط بالمرشد الأعلى الإيراني.

وتضم المنظمة نحو 75 ألف كشاف من الذكور والإناث، ما يجعلها واحدة من أهم الأدوات التي يمكن من خلالها الوصول إلى قطاعات واسعة من الأطفال والمراهقين في البيئة الاجتماعية المؤيدة لحزب الله.

ويبدأ البرنامج بالنسبة إلى الأصغر سناً بأنشطة تبدو اعتيادية، مثل كرة القدم وشد الحبل والطهي في المخيمات. كما يشارك الأطفال الأكبر قليلاً في أعمال خدمة المجتمع وإزالة الأنقاض وإعداد المساعدات للنازحين.

غير أن هذا المسار يأخذ طابعاً أكثر أيديولوجية كلما تقدم المشاركون في العمر. فالقيم التي يجري التركيز عليها، مثل «المقاومة» و«التضحية»، تهيئ الأطفال لتبني رواية التنظيم عن الصراع مع إسرائيل وموقع حزب الله فيه.

وهنا تكمن قوة النموذج: فهو لا يقدم الأيديولوجيا في صورة خطاب سياسي مجرد، وإنما يدمجها في نشاط اجتماعي ورياضي وكشفي، بما يجعلها جزءاً من الحياة اليومية للمشاركين.

وتظهر النقلة الأكثر حساسية عندما يصل المشاركون إلى سن المراهقة. فوفق التقرير، يحصل أعضاء كشافة المهدي عند بلوغهم السادسة عشرة على ما يسمى «التدريب على محو الأمية»، ويتضمن أساسيات مرتبطة بالأسلحة. ثم يحصل المراهقون خلال الصيف على تدريبات أكثر كثافة على أنواع مختلفة من الأسلحة.

وهذا الانتقال يحول النشاط الكشفي تدريجياً إلى بوابة محتملة نحو العمل العسكري.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل طفل يشارك في المخيمات سيصبح مقاتلاً في صفوف حزب الله، لكن وجود مسار واضح ينتقل فيه الشاب من النشاط الكشفي إلى التدريب المرتبط بالأسلحة ثم إلى التنظيم العسكري يخلق بيئة تجنيد طويلة الأمد.

كما أن تكريم أعضاء سابقين في الكشافة انضموا إلى حزب الله وقُتلوا في المعارك يمثل جزءاً من بناء سردية تعتبر الانتقال من الكشافة إلى القتال رحلة مكتملة عندما تنتهي بـ«الشهادة».

ولا يقتصر الأمر على التدريب، بل يتضمن أيضاً بناء صورة ذهنية للمقاتل الذي ينبغي للشاب أن يصبحه.

وتشير المواد التي تنتجها المنظمة إلى استخدام محتوى مناسب لمختلف الأعمار، بما في ذلك منشورات ومجلات موجهة للأطفال.

وتبدأ بعض الرسائل في سن مبكرة جداً، عبر ألعاب ورسومات ومواد تصور إسرائيل باعتبارها قوة احتلال، وتستخدم صور الأسلحة والرموز المرتبطة بحزب الله.

ومع تقدم العمر، تصبح الرسائل أكثر مباشرة، مع التركيز على مفهوم «الشهادة» وتقديم مقاتلي حزب الله الذين قتلوا في المواجهات مع إسرائيل باعتبارهم نماذج للاقتداء.

وهكذا تتشكل عملية تدريجية: الطفل يتعرف إلى الرموز، ثم يتبنى الرواية الأيديولوجية، ثم يتلقى تدريبات أولية، وبعدها يصبح الانضمام إلى التنظيم العسكري خياراً أكثر قابلية للتصور.

وتكتسب هذه العملية بعداً إقليمياً بسبب العلاقة الوثيقة بين حزب الله وإيران. فكشافة الإمام المهدي تتبنى مبدأ «ولاية الفقيه»، كما يشير التقرير إلى التمويل الإيراني للمنظمة، وهو ما يعكس أن عملية بناء الجيل الجديد لا تنفصل عن المشروع السياسي والأيديولوجي الأوسع المرتبط بطهران.

وتكشف مشاركة مراهقين ومشرفين من الكشافة في مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي عن طبيعة العلاقة التي تتجاوز الحدود اللبنانية.

وبذلك، فإن الهوية التي يجري تشكيلها داخل هذه المخيمات ليست لبنانية فقط، وإنما ترتبط أيضاً بمنظومة أيديولوجية عابرة للحدود، ما يطرح سؤالاً حساساً حول العلاقة بين الانتماء الوطني والولاء السياسي والعقائدي.

وتأتي قضية المخيمات في توقيت حساس بالنسبة إلى لبنان، الذي يحاول معالجة ملف سلاح حزب الله وتعزيز سلطة الدولة.

فحتى إذا جرى التوصل إلى ترتيبات لنزع الأسلحة أو الحد من القدرات العسكرية للتنظيم، فإن تفكيك البنية المسلحة لا يعني تلقائياً تفكيك البيئة الأيديولوجية والاجتماعية التي ترفدها بالمجندين.

ومن هنا، تصبح المخيمات جزءاً من معادلة أوسع: هل يمكن إنهاء دورة الصراع إذا بقيت هناك مؤسسات قادرة على إنتاج جيل جديد يحمل الأفكار نفسها ويستعد للانضمام إلى التنظيم مستقبلاً؟

وبالنسبة إلى مؤيدي حزب الله، يمكن النظر إلى هذه الأنشطة باعتبارها وسيلة للحفاظ على الهوية المجتمعية وتعزيز قيم المقاومة والتضامن، خصوصاً في ظل الحروب المتكررة مع إسرائيل.

لكن بالنسبة إلى خصوم التنظيم، فإن إدخال الأطفال والمراهقين في مسار أيديولوجي ينتهي إلى التدريب العسكري يمثل استمراراً لبناء القوة خارج مؤسسات الدولة.

مشاركة كل طفل في المخيمات لا تعني بالضرورة أنه سيصبح مقاتلاً في صفوف حزب الله، لكن وجود مسار واضح ينتقل فيه الشاب من النشاط الكشفي إلى التدريب المرتبط بالأسلحة ثم إلى التنظيم العسكري يخلق بيئة تجنيد طويلة الأمد.

وتكمن المشكلة الأساسية في قدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها في المناطق التي يتمتع فيها حزب الله بنفوذ اجتماعي واسع.

فاستبدال مؤسسات الحزب بمؤسسات الدولة لا يمكن أن يتم بقرار أمني أو سياسي فقط، وإنما يتطلب توفير خدمات وتعليم وفرص للشباب، وإيجاد بدائل اجتماعية وثقافية قادرة على منافسة الشبكات التي بناها الحزب على مدى عقود.

كما أن أي محاولة للتعامل مع المخيمات بالقوة وحدها قد تؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصاً إذا فسرت داخل البيئة الشيعية على أنها استهداف جماعي أو محاولة لاقتلاع الهوية الثقافية للمجتمع.

ولذلك، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء مساحة وطنية يستطيع فيها الأطفال والشباب ممارسة الأنشطة الرياضية والكشفية والاجتماعية بعيداً عن التعبئة العسكرية والأيديولوجية.

وتكشف تجربة كشافة الإمام المهدي أن الصراع حول مستقبل حزب الله لا يتعلق فقط بمصير سلاحه، وإنما أيضاً بمستقبل قاعدته الاجتماعية.

فالحزب الذي يخسر جزءاً من قدرته العسكرية لكنه يحتفظ بمؤسسات قادرة على إنتاج كوادر ومناصرين جدد، قد يبقى قادراً على إعادة بناء نفوذه مع مرور الوقت.

ولهذا، فإن أي استراتيجية لنزع السلاح وإعادة بناء الدولة اللبنانية تحتاج إلى التعامل مع «معركة الأجيال» بالتوازي مع المعركة الأمنية والسياسية.

وفي النهاية، فإن السؤال الأهم ليس فقط: هل يمكن نزع سلاح حزب الله؟ بل أيضاً: هل يمكن وقف دورة التجنيد الأيديولوجي التي تبدأ في المخيمات الصيفية وتنتج، مع مرور السنوات، جيلاً جديداً مستعداً لحمل أفكار التنظيم وسلاحه؟.

فإذا كان السلام المستدام هو الهدف، فإن تفكيك البنية التي تنتج الصراع على المدى الطويل قد يكون أكثر صعوبة، وربما أكثر أهمية، من تفكيك مخازن السلاح نفسها.

استقبال جنوني.. جماهير برشلونة ترحب برودري


سبق غارة مطار إدلب.. اتصال هاتفي بين رئيس الموساد ووزير خارجية سوريا


طارق صالح: حرمنا إيران من استخدام ورقة باب المندب عبر الحوثيين


«رسالة واضحة لتركيا».. نتنياهو يقر ضمنيا بقصف مطار عسكري سوري