اخبار الإقليم والعالم

حزب الله يبحث عن إدامة الحرب للهروب من استحقاقات ما بعدها

وكالة أنباء حضرموت

 لا تبدو المواجهة المفتوحة في لبنان مجرد صراع عسكري بين إسرائيل وحزب الله، بل تحولت إلى اختبار أوسع لمستقبل الدولة اللبنانية وقدرتها على استعادة القرار الأمني والسياسي. وفي قلب هذا الاختبار يبرز سؤال أكثر حساسية: هل يسعى حزب الله إلى إدامة حالة الحرب، ليس فقط لأسباب عسكرية، وإنما لمنع ترجمة أي تسوية سياسية إلى مكاسب مباشرة للدولة اللبنانية؟

وتكتسب هذه الفرضية أهمية خاصة مع إصرار الحكومة اللبنانية على الدفع نحو حصر السلاح بيد الدولة، وربط ذلك بمسار سياسي وأمني ينهي حالة الحرب. فكل تقدم تحققه الحكومة في ملف التهدئة، وكل انسحاب إسرائيلي يمكن أن يتحقق عبر التفاوض، يعني عملياً انتقال لبنان إلى مرحلة مختلفة، يصبح فيها السؤال عن سلاح حزب الله أكثر إلحاحاً وأقل قابلية للتأجيل.

وجدد الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، قبل أيام، رفضه «اتفاق الإطار» الموقع بين لبنان وإسرائيل، معتبراً أنه يمثل «إملاءات إسرائيلية»، ومشككاً في جدوى جولات التفاوض بين الجانبين.

وفي كلمة متلفزة ألقاها قاسم بمناسبة ذكرى «الانتصار» في حرب تموز/يوليو 2006، التي خاضها الحزب ضد إسرائيل واستمرت 34 يوماً، قال إن «اتفاق الإطار ليس اتفاقاً ولا إطاراً، بل إملاءات إسرائيلية وقعت عليها السلطة».

إدامة المواجهة تمنح الحزب وقتاً إضافياً، وتؤجل النقاش حول السلاح، وتمنع الحكومة من تحويل أي إنجاز دبلوماسي إلى رصيد سياسي، كما تتيح للحزب إعادة تنظيم صفوفه

في المقابل، ترى السلطات اللبنانية أن الاتفاق يمثل إطاراً سياسياً وأمنياً لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وعودة النازحين، وبسط سيادة الدولة على أراضيها.

وترى الدولة اللبنانية أن نجاح المسار السياسي يعني تحقيق ما عجزت عنه المعادلات العسكرية خلال سنوات طويلة: استعادة جزء من القرار السيادي، وربما تثبيت انسحاب إسرائيلي من الأراضي التي لا تزال موضع نزاع، وفتح الطريق أمام إعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية على أساس احتكار الدولة للقوة.

لكن بالنسبة إلى حزب الله، قد يحمل هذا النجاح تداعيات عكسية تماماً.

فإذا تمكنت الحكومة من تحقيق اختراق سياسي حقيقي، فلن يبقى من السهل على الحزب استخدام الاحتلال أو استمرار التهديد الإسرائيلي ذريعة لتأجيل البحث في السلاح. وكلما انخفض مستوى الخطر العسكري، ارتفعت الضغوط السياسية والشعبية لسؤال الحزب عن سبب استمرار امتلاكه ترسانة مستقلة عن الدولة.

ومن هنا يمكن تفسير مصلحة الحزب في إبقاء الحرب ضمن مستوى يمنع الوصول إلى «اليوم التالي»؛ أي اليوم الذي تنتهي فيه المعركة ويبدأ الحساب السياسي.

والمشكلة الأكثر تعقيداً بالنسبة إلى حزب الله هي أن نهاية الحرب لا تعني بالضرورة بالنسبة إليه مجرد توقف إطلاق النار، وإنما قد تعني بداية معركة أخرى داخل لبنان.

فالحزب الذي راكم خلال عقود نفوذاً عسكرياً وسياسياً وإعلامياً واسعاً، قد يجد نفسه أمام سؤال غير مسبوق: ماذا حققت الحرب؟ وماذا خسر لبنان؟ وماذا خسر الحزب نفسه؟

وهنا تصبح صورة النهاية حاسمة.

فإذا خرج الحزب من الحرب وقد فقد جزءاً كبيراً من قدراته ومواقعه ونفوذه، بينما حققت الدولة اللبنانية مكاسب سياسية عبر التفاوض، فإن المقارنة ستكون صعبة بالنسبة إليه. ولن يكون سهلاً إقناع جمهوره بأن الحرب كانت انتصاراً إذا كانت نتائجها العملية تتمثل في خسائر واسعة داخل البيئة الحاضنة، وتراجع في القدرة العسكرية، وانحسار في الدور السياسي.

لذلك، قد تصبح إدامة الحرب وسيلة لتأجيل لحظة إعلان النتيجة.

وربما تكون هذه أخطر معضلة سياسية تواجه الحزب.

فعلى مدى سنوات، بنى حزب الله جزءاً من شرعيته الداخلية على موقع الطرف الذي يملك القدرة على الردع والحماية، فيما كان يضع خصومه السياسيين في موقع من يُحاسبهم على خياراتهم.

لكن استمرار الحرب مع ارتفاع كلفتها قد يقلب المعادلة.

فبدلاً من أن يكون الحزب هو الطرف الذي يسأل الآخرين عن مواقفهم، قد يجد نفسه مطالباً بالإجابة عن أسئلة من نوع: لماذا دخلنا الحرب؟ ومن اتخذ القرار؟ وما الذي تحقق؟ ومن يتحمل مسؤولية الخسائر؟

وهذه الأسئلة ليست تقنية أو عسكرية فقط، بل سياسية وشعبية أيضاً.

إذا تمكنت الحكومة من تحقيق اختراق سياسي حقيقي، فلن يبقى من السهل على الحزب استخدام التهديد الإسرائيلي ذريعة لتأجيل البحث في السلاح

وتزداد حساسيتها إذا ارتبطت الحرب بمبدأ «إسناد غزة»، بينما تجد البيئة اللبنانية نفسها أمام فاتورة ثقيلة من الدمار والخسائر والنزوح والضغط الاقتصادي.

ولا يمكن فصل مستقبل حزب الله عن البيئة الاجتماعية التي شكلت طوال عقود ركيزة أساسية لقوته. لكن استمرار الحرب وارتفاع كلفتها يمكن أن يضعفا هذه العلاقة تدريجياً، ليس بالضرورة عبر تحول سياسي واسع ومفاجئ، وإنما من خلال تعب داخلي، وتراجع في الثقة، وانسحابات فردية وصامتة.

فالبيئة الشيعية كانت في مقدمة المناطق التي دفعت ثمن الحرب، سواء على مستوى الخسائر البشرية أو الدمار أو النزوح أو تراجع النشاط الاقتصادي.

ومع مرور الوقت، يمكن أن يتحول السؤال من «هل يجب مقاومة إسرائيل؟» إلى سؤال أكثر ارتباطاً بالحياة اليومية: هل كانت هذه الحرب ضرورية؟ وهل كان ثمنها يستحق ما تحقق؟

وهنا تحديداً تكمن خطورة ما بعد الحرب بالنسبة إلى الحزب.

لذلك، قد لا يكون هدف حزب الله بالضرورة تحقيق نصر عسكري تقليدي، بقدر ما يتمثل في منع ولادة تسوية سياسية تُثبت أن الدولة قادرة على تحقيق ما كان الحزب يقدم نفسه بوصفه الطرف الوحيد القادر على تحقيقه.

إدامة المواجهة تمنح الحزب وقتاً إضافياً، وتؤجل النقاش حول السلاح، وتمنع الحكومة من تحويل أي إنجاز دبلوماسي إلى رصيد سياسي، كما تتيح للحزب إعادة تنظيم صفوفه والتفاوض من موقع أقل ضعفاً.

لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة كبيرة؛ فكل يوم إضافي من الحرب قد يمنح الحزب وقتاً، لكنه قد يسحب في المقابل من رصيده الشعبي والسياسي.

وفي النهاية، قد يجد حزب الله نفسه أمام مفارقة تاريخية: الحرب التي يخوضها لمنع هزيمته السياسية قد تصبح هي نفسها الطريق الذي يسرّع مساءلته عن خياراته.

ولهذا، فإن المعركة المقبلة في لبنان قد لا تكون فقط حول وقف إطلاق النار، وإنما حول من يملك حق كتابة رواية الحرب ونتائجها. فإذا نجحت الدولة في تحويل نهاية المواجهة إلى بداية لمسار سياسي يقود إلى الانسحاب ونزع السلاح، فسيكون حزب الله أمام أصعب استحقاق منذ نشأته: الانتقال من موقع الطرف الذي يفرض شروط المعادلة إلى طرف مطالب بتبريرها أمام الدولة والشارع والبيئة التي دفعت الثمن الأكبر.

هرمز رهينة التفاوض.. إيران تربط حركة الملاحة بتنازلات واشنطن


انتهت مهلة الـ60 يوماً وبدأت لعبة حافة الهاوية في هرمز


30 يوما لاختبار نزع سلاح حماس.. إسرائيل تبقي «الخط الأصفر» مكانه


3 رافعات متنقلة.. «موانئ دبي العالمية» تحدث ميناء طرطوس السوري