اخبار الإقليم والعالم
عودة البعثة السعودية إلى العراق تفتح باباً جديداً لشراكة أمنية وسياسية أمتن
تقترب العلاقات العراقية السعودية من تجاوز مرحلة التوتر التي فرضتها الهجمات الأخيرة المنطلقة من الأراضي العراقية، مع تحرك بغداد والرياض نحو إعادة بناء الثقة عبر بوابة الأمن والتنسيق الدبلوماسي.
ويبرز بحث السعودية إعادة بعثتها الدبلوماسية إلى بغداد خلال الأشهر المقبلة بوصفه مؤشراً مهماً على أن البلدين لا يريدان بقاء العلاقات رهينة للتصعيد الأمني، بل يسعيان إلى تحويل الأزمة الأخيرة إلى فرصة لإعادة ترتيب الشراكة على أسس أكثر استقراراً.
وتحمل عودة البعثة السعودية إلى العاصمة العراقية أهمية تتجاوز الجانب الدبلوماسي المباشر، لأنها تعني استعادة قناة اتصال سياسية وأمنية دائمة بين البلدين، وتمنح الرياض وسيلة أكثر فاعلية لمتابعة التطورات داخل العراق، فيما توفر لبغداد فرصة لإثبات قدرتها على حماية البعثات الأجنبية ومنع استخدام أراضيها منصة لاستهداف دول الجوار.
ويأتي هذا التحول بعد زيارة وفد أمني عراقي رفيع المستوى إلى الرياض، ضم قيادات عسكرية وأمنية بارزة، لبحث الإجراءات التي اتخذتها بغداد لمنع تكرار الهجمات التي استهدفت المملكة انطلاقاً من الأراضي العراقية.
ولم تكن أهمية الزيارة في مضمونها الأمني فقط، وإنما في مستوى التمثيل الذي عكس إدراك الحكومة العراقية أن إصلاح العلاقة مع السعودية يبدأ من معالجة هواجسها الأمنية.
وتحاول بغداد من خلال هذا المسار تقديم رسالة واضحة للرياض مفادها أن الدولة العراقية عازمة على منع أي جهة مسلحة من استخدام الأراضي العراقية لتهديد أمن المملكة أو أي دولة مجاورة.
ويتقاطع ذلك مع توجه حكومة علي الزيدي نحو حصر السلاح بيد الدولة، باعتبار أن ضبط نشاط الفصائل المسلحة يمثل أحد الشروط الأساسية لمنع العراق من الانجرار إلى صراعات إقليمية لا تتوافق مع مصالحه الوطنية.
وفي المقابل، تبدو الرياض أكثر استعداداً للانخراط مجدداً مع بغداد، شريطة الحصول على ضمانات أمنية كافية لحماية مقر البعثة وموظفيها.
ووفق المعطيات المطروحة، فإن عودة البعثة قد تتم خلال ثلاثة أشهر أو أقل إذا توافرت هذه الضمانات، وهو ما يعكس انتقال السعودية من سياسة الابتعاد والتحفظ إلى سياسة الانخراط المشروط.
وتكتسب هذه العودة أهمية خاصة بالنظر إلى مغادرة البعثة السعودية بغداد في مارس الماضي بعد سلسلة من الهجمات التي أثارت مخاوف بشأن سلامة الدبلوماسيين والمنشآت السعودية.
وبالتالي فإن قرار الرياض إعادة بعثتها لن يكون مجرد إجراء إداري، بل اختباراً عملياً لمدى نجاح بغداد في فرض إجراءات أمنية قادرة على منع تكرار الهجمات.
كما أن المخاوف السعودية لا تقتصر على الفصائل العراقية وحدها، بل تمتد إلى احتمال وجود عناصر مرتبطة بجماعات إقليمية داخل معسكرات تابعة لفصائل مسلحة.
وهذا يعني أن الرياض تنظر إلى الأمن العراقي باعتباره جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي، وأن أي خلل في السيطرة على الجماعات المسلحة يمكن أن تكون له تداعيات مباشرة على أمن المملكة.
ومن هنا، فإن الشراكة الأمنية بين بغداد والرياض قد تكون المدخل الأكثر واقعية لإعادة بناء العلاقة. فالتعاون الاستخباري وتبادل المعلومات والتنسيق العسكري وحماية الحدود ومكافحة الجماعات المسلحة يمكن أن يوفر أرضية مشتركة تتجاوز الخلافات السياسية.
كما يمكن لهذا التعاون أن يساعد العراق على طمأنة جيرانه بشأن قدرته على ضبط أراضيه، بدلاً من الاكتفاء بإصدار بيانات الإدانة بعد وقوع الهجمات.
وتحظى هذه التطورات بدعم سياسي واضح من الجانب السعودي. فقد أكد وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان استمرار المملكة في دعم أمن العراق واستقراره وتنميته، مشدداً على أهمية التنسيق والتعاون العسكري والدفاعي بين البلدين.
وتحمل هذه الرسالة دلالة مهمة، لأنها تشير إلى أن الرياض لا تنظر إلى العراق باعتباره مصدر تهديد فحسب، وإنما كشريك يمكن التعاون معه في مواجهة التحديات الأمنية المشتركة.
ومن الناحية السياسية، يمكن لعودة البعثة أن تفتح الطريق أمام استئناف الزيارات الرسمية رفيعة المستوى، وفي مقدمتها الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء العراقي إلى الرياض. كما يمكن أن تعيد تنشيط قنوات الحوار بشأن ملفات إقليمية تتجاوز الجانب الأمني، بما في ذلك التعاون الاقتصادي والاستثماري والطاقة والنقل والتجارة.
وهنا تبرز أهمية العلاقة العراقية السعودية بالنسبة إلى بغداد تحديداً. فالعراق يحتاج إلى علاقات مستقرة مع محيطه العربي، وإلى توسيع شراكاته الاقتصادية والاستثمارية بعيداً عن الاستقطابات الإقليمية.
وتمثل السعودية، بحجم اقتصادها ونفوذها الإقليمي، شريكاً مهماً يمكن أن يساهم في دعم مشاريع البنية التحتية والطاقة والنقل والاستثمار داخل العراق.
عودة البعثة السعودية لا تنهي جميع الخلافات بين بغداد والرياض، لكنها يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لمرحلة مختلفة تقوم على الحوار المباشر بدلاً من إدارة الأزمات عن بعد
وأما بالنسبة إلى الرياض، فإن استعادة حضورها الدبلوماسي في بغداد تتيح لها تعزيز نفوذها السياسي عبر قنوات الدولة الرسمية، بدلاً من التعامل مع العراق من خلال الأزمات الأمنية وحدها.
كما أن انخراطها المباشر يساعدها على متابعة التحولات السياسية والأمنية في بلد يمثل حلقة مهمة في معادلات الخليج وإيران وبلاد الشام.
لكن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطاً بقدرة الحكومة العراقية على التعامل مع ملف الفصائل المسلحة. فعودة البعثة السعودية ستكون اختباراً لمدى قدرة الدولة على حماية المؤسسات الدبلوماسية ومنع أي طرف مسلح من اتخاذ قرارات أمنية بمعزل عن الحكومة.
وكل حادث جديد يستهدف المملكة أو المصالح السعودية من الأراضي العراقية يمكن أن يعيد العلاقة سريعاً إلى مربع التوتر.
ولهذا فإن ملف حصر السلاح بيد الدولة لا ينفصل عن مسار تحسين العلاقات مع السعودية. فكلما تقدمت بغداد في فرض احتكار الدولة للقوة، ازدادت ثقة الرياض بقدرتها على ضبط أمنها الداخلي ومنع استخدام أراضيها ضد الجيران.
وفي المقابل، فإن تحسن العلاقات مع السعودية يمكن أن يمنح الحكومة العراقية مساحة أوسع للتحرك إقليمياً وتعزيز موقعها كدولة مستقلة عن محاور الصراع.
ولا يعني ذلك أن عودة البعثة ستنهي جميع الخلافات بين بغداد والرياض، لكنها يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لمرحلة مختلفة تقوم على الحوار المباشر بدلاً من إدارة الأزمات عن بعد. فالدبلوماسية تحتاج إلى وجود فعلي وقنوات اتصال مفتوحة، خصوصاً في منطقة سريعة التغير يمكن أن تتحول فيها حادثة أمنية محدودة إلى أزمة إقليمية واسعة.
وبذلك، تبدو عودة البعثة السعودية إلى العراق أكثر من مجرد استئناف للعمل الدبلوماسي؛ فهي خطوة يمكن أن تؤسس لشراكة أمنية وسياسية أوسع، إذا نجحت بغداد في توفير الضمانات المطلوبة وحافظت الرياض على نهج الانفتاح تجاه الحكومة العراقية.
وبين الأمن والدبلوماسية والاقتصاد، يمتلك البلدان فرصة لإعادة تعريف علاقتهما على أساس المصالح المشتركة، بحيث يصبح العراق جسراً للتعاون الإقليمي بدلاً من أن يكون ساحة للصراع.
ويرى مراقبون أن عودة السعودية إلى بغداد ستختبر قدرة العراق على الانتقال من سياسة احتواء الهجمات بعد وقوعها إلى سياسة وقائية تمنع استخدامها من الأساس.
وإذا نجحت الحكومة في هذا الاختبار، فقد تتحول عودة البعثة إلى أول خطوة في مسار أوسع يعيد العلاقات العراقية السعودية إلى موقع أكثر أهمية، ويفتح الباب أمام شراكة تتجاوز الأمن إلى السياسة والاقتصاد والاستثمار، وتخدم في الوقت نفسه هدفاً إقليمياً أوسع يتمثل في تحصين العراق من الانجرار إلى صراعات المنطقة.