اخبار الإقليم والعالم
التهدئة في الخليج والتصعيد في البحر الأحمر.. هل تقترب ساعة التحالف البحري؟
في الوقت الذي تتكثف فيه الجهود الدولية لإعادة الهدوء إلى مضيق هرمز، يبدو أن البحر الأحمر يسير في اتجاه معاكس. فبينما تتحدث واشنطن عن اقتراب التوصل إلى هدنة جديدة مع إيران تستمر شهرين، وتلوح بإمكانية إنهاء أزمة هرمز، تواصل جماعة الحوثي تصعيد هجماتها ضد السفن السعودية، بما يطرح تساؤلا جوهريا: هل يمكن تجزئة أمن الملاحة في المنطقة، أم أن استقرار هرمز سيظل ناقصا ما دامت الملاحة في البحر الأحمر مهددة؟
ويكشف هذا التباين أن الأزمة لم تعد مرتبطة بمضيق هرمز وحده، وإنما أصبحت تشمل المنظومة البحرية الممتدة من الخليج العربي إلى باب المندب والبحر الأحمر، وهي ممرات ترتبط ببعضها اقتصاديا وأمنيا، ويؤثر أي اضطراب في أحدها على حركة التجارة والطاقة العالمية.
ويأتي هذا المشهد في وقت رفع فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب سقف الضغوط على إيران، ملوحا بتوجيه “ضربة قوية” إذا لم تبادر طهران إلى إعادة فتح مضيق هرمز “قريبا جدا”. ويعكس هذا الخطاب انتقال واشنطن من سياسة الضغوط السياسية والاقتصادية إلى التهديد المباشر باستخدام القوة العسكرية لحماية أحد أهم الممرات البحرية التي يمر عبرها نحو خمس تجارة النفط العالمية.
لكن المفارقة أن هذا التشدد تجاه هرمز يتزامن مع تصعيد واضح في البحر الأحمر، حيث أعلنت جماعة الحوثي استهداف سفينة نفطية سعودية شمال البحر الأحمر قبالة ينبع باستخدام صواريخ باليستية، مؤكدة أن العملية تأتي ضمن ما تصفه بسياسة “الحصار بالحصار”.
وبحسب المتحدث العسكري للجماعة يحيى سريع، فإن السفينة المستهدفة تحمل اسم “وفاء”، مضيفا أن الجماعة استهدفت حتى الآن ثماني سفن نفطية سعودية منذ إعلان ما تسميه “الحظر البحري” في يوليو الماضي، كما أجبرت 29 سفينة أخرى على تغيير مسارها أو العودة، متوعدا بتوسيع العمليات إلى شمال البحر الأحمر بعد إحكام الضغط على باب المندب.
وحتى مع عدم صدور تعليق سعودي فوري على الإعلان الحوثي، فإن الهجوم يعكس انتقال المواجهة البحرية إلى مرحلة أكثر حساسية، إذ لم تعد الهجمات تقتصر على باب المندب أو السواحل اليمنية، وإنما امتدت إلى مسارات بديلة لجأت إليها السعودية لحماية صادراتها النفطية.
وهنا يبرز سؤال استراتيجي: لماذا يجري التعامل مع حرية الملاحة في هرمز باعتبارها قضية دولية تستوجب التهديد باستخدام القوة، بينما تبدو الاعتداءات على الملاحة في البحر الأحمر وكأنها شأن إقليمي يمكن احتواؤه بوسائل محدودة؟
عمليا، يصعب الفصل بين المضيقين. فالشركات التي تنقل النفط والغاز لا تنظر إلى هرمز وباب المندب باعتبارهما ملفين منفصلين، بل حلقتين في سلسلة نقل واحدة تبدأ من الخليج وتنتهي بالبحر المتوسط والأسواق الأوروبية. وأي خلل في إحدى الحلقتين يرفع تكاليف النقل والتأمين ويزيد المخاطر على التجارة العالمية، حتى لو بقي الممر الآخر مفتوحا.
لماذا يجري التعامل مع حرية الملاحة في هرمز باعتبارها قضية دولية تستوجب التهديد باستخدام القوة، بينما تبدو الاعتداءات على الملاحة في البحر الأحمر وكأنها شأن إقليمي يمكن احتواؤه بوسائل محدودة؟
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح أي تفاهم بشأن هرمز لن يكون كافيا لاستعادة الثقة الكاملة في أمن الملاحة، إذا استمرت السفن في التعرض للهجمات في البحر الأحمر. فالمعادلة البحرية لا تقبل التجزئة، كما أن الأسواق لا تميز بين تهديد يأتي من مضيق هرمز وآخر من باب المندب، لأن النتيجة واحدة: ارتفاع المخاطر واضطراب الإمدادات.
ويمنح هذا الواقع أهمية إضافية للتحالف البحري الدفاعي الذي أعلنت السعودية تأسيسه لحماية حرية الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، والذي يضم عددا من الدول، من بينها الولايات المتحدة واليمن والكويت وسلطنة عمان والأردن والسودان والمغرب، إلى جانب دول أخرى مثل تركيا وباكستان ومصر التي أبدت موافقتها على الانضمام إلى هذا الإطار الأمني.
غير أن التحالف لا يزال في مرحلة البناء، ولم تتضح بعد طبيعة مهامه بصورة كاملة. فهل سيكون إطارا دبلوماسيا لتنسيق المواقف وتبادل المعلومات، أم قوة بحرية مشتركة تتولى مرافقة السفن والرد على التهديدات، أم يجمع بين البعدين السياسي والعسكري؟
التصعيد الحوثي المتواصل قد يدفع الرياض إلى تسريع الانتقال من مرحلة الإعلان السياسي إلى مرحلة التفعيل الميداني. فكل هجوم جديد يوجه رسالة بأن الاعتماد على الردود المنفردة قد لا يكون كافيا لضمان أمن الملاحة، وأن توفير مظلة جماعية أصبح ضرورة أكثر منه خيارا.
كما أن انضمام دول تمتلك ثقلا عسكريا وبحريا مثل مصر وتركيا وباكستان يمنح التحالف بعدا يتجاوز حماية السفن السعودية، ليصبح مشروعا إقليميا لحماية أحد أهم الممرات البحرية في العالم، خاصة في ظل تنامي الترابط بين أمن البحر الأحمر وأمن الخليج.
وفي المقابل، تدرك إيران أن أي نجاح للتحالف البحري في تثبيت حرية الملاحة سيحد من قدرة حلفائها على استخدام البحر الأحمر كورقة ضغط إقليمية، وهو ما يفسر استمرار التصعيد الحوثي رغم الحديث عن تهدئة محتملة في هرمز.
لذلك، لا يبدو أن المنطقة تتجه إلى تهدئة شاملة بقدر ما تشهد إعادة توزيع للتوتر بين ساحاتها المختلفة. فقد تنخفض احتمالات المواجهة المباشرة في الخليج إذا نجحت التفاهمات بشأن هرمز، لكن ذلك لا يعني انتهاء أزمة الملاحة، ما دام البحر الأحمر لا يزال يشهد هجمات تستهدف ناقلات النفط وخطوط التجارة.
وفي النهاية، أصبح أمن الملاحة في الشرق الأوسط معادلة واحدة لا يمكن فصل عناصرها. فحرية العبور في هرمز لن تكون كافية إذا بقيت السفن مهددة في البحر الأحمر، كما أن أي استقرار دائم يتطلب معالجة متزامنة للممرين معا. ولهذا قد يكون التصعيد الحوثي الأخير عاملا يدفع السعودية وشركاءها إلى الإسراع في تحويل التحالف البحري من مشروع سياسي إلى آلية أمنية فاعلة، قادرة على فرض معادلة جديدة عنوانها أن حماية الملاحة تبدأ من هرمز، لكنها لا تكتمل إلا عند باب المندب.