اخبار الإقليم والعالم
بريطانيا وعقيدة الحرب البرية.. إعادة هيكلة والبداية من إستونيا
بريطانيا تستعد لإجراء واحد من أبرز التحولات في عقيدتها العسكرية بالسنوات الأخيرة.
وبحسب صحيفة «تليغراف»، سيحدث ذلك عبر استبدال تشكيلها المدرع الثقيل المتمركز في إستونيا بقوة قتالية أكثر مرونة تعتمد على الطائرات المسيّرة، وأنظمة الاستطلاع والمراقبة، وقدرات الضربات الدقيقة، في خطوة تعكس استيعاباً واسعاً للدروس التي أفرزتها الحرب في أوكرانيا.
ويأتي هذا التحول ضمن استراتيجية تستهدف تعزيز قدرة القوات البريطانية على مواجهة التهديدات المتغيرة، وفي مقدمتها التحديات التي تفرضها روسيا على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وفق الصحيفة البريطانية.
تحول استراتيجي
بحسب الخطط المعلنة، سيبدأ الجيش البريطاني في أبريل/نيسان 2027 سحب دبابات "تشالنجر 2" ومركبات "واريور" القتالية من إستونيا، منهياً بذلك عقوداً من الاعتماد على المنصات المدرعة التقليدية.
غير أن هذه الخطوة لا تعني التخلي عن سلاح الدبابات، بل تمثل انتقالاً إلى نموذج قتالي أكثر تطوراً يعتمد على دمج القدرات البرية مع الأنظمة الجوية والبحرية غير المأهولة ضمن شبكة عمليات موحدة، توفر للقوات رؤية أوسع لساحة المعركة، وتعزز قدرتها على كشف التهديدات والتعامل معها بسرعة ودقة.
ويرى خبراء عسكريون أن القوة الجديدة المضادة للدروع ستعمل بتشكيلات مرنة ومنتشرة، تعتمد على الحركة المستمرة والاستطلاع الفوري والضربات الدقيقة، وهو ما يجعل رصدها أو استهدافها أكثر صعوبة مقارنة بالتشكيلات المدرعة التقليدية.
كما أظهرت تدريبات مشتركة مع القوات الإستونية أن هذا النموذج يوفر كفاءة عملياتية أعلى، من خلال حرمان الخصم من حرية المناورة وإجباره على التعامل مع تهديدات متعددة ومتزامنة بدلاً من مواجهة أهداف ثابتة ومركزة.
«تشالنجر 3».. دبابة الجيل الجديد لساحة المعركة الرقمية
يحتل مشروع دبابة "تشالنجر 3" موقعاً محورياً في هذه الرؤية الجديدة، إذ لا تمثل مجرد تطوير للجيل السابق، بل منصة قتالية رقمية صُممت للعمل ضمن منظومة متكاملة تتبادل البيانات لحظياً مع مختلف الوحدات القتالية.
وتتميز الدبابة بقدرات متقدمة في كشف الأهداف، وتحديد مصادر التهديد، والتنسيق مع الطائرات المسيّرة وأنظمة الحرب الإلكترونية، بما يمنحها قدرة أكبر على البقاء والاشتباك في بيئة قتالية تهيمن عليها المستشعرات والذكاء الاصطناعي.
ويؤكد مختصون أن مستقبل الدبابات لن يكون قائماً على العمل المنفرد، بل على تكاملها مع المنظومات غير المأهولة، بحيث تصبح جزءاً من شبكة قتالية واسعة تضم طائرات استطلاع ومسيرات هجومية وأنظمة دفاع جوي ووحدات إلكترونية، وهو ما يرفع من كفاءة القوات البرية ويمنحها وعياً لحظياً بمجريات المعركة.
ويأتي هذا التحول في وقت تشير فيه الخبرات المستخلصة من الحرب في أوكرانيا إلى أن الطائرات المسيّرة والذخائر الدقيقة أصبحت مسؤولة عن الجزء الأكبر من الخسائر في ساحة القتال، بعدما أثبتت فعاليتها في تدمير أهداف عالية القيمة بتكاليف منخفضة.
ومع ذلك، أظهرت الحرب أيضاً أن هذه الوسائل، رغم تأثيرها الكبير، لا تستطيع وحدها حسم المعارك أو استعادة الأراضي، إذ تبقى العمليات البرية المشتركة التي تضم الدبابات والمشاة والمهندسين، مدعومة بالقدرات الجوية والرقمية، العامل الحاسم في فرض السيطرة على الأرض.
ويرى محللون أن الخطوة البريطانية تعكس تحولاً عملياً في تنفيذ مراجعة الدفاع الاستراتيجية، كما تمثل رسالة ردع واضحة إلى موسكو في ظل تصاعد المخاوف من أي تحركات روسية محتملة ضد دول البلطيق أو بولندا.
وفي الوقت نفسه، تؤكد بريطانيا أن تحديث قواتها لا يقوم على استبدال الدبابات بالطائرات المسيّرة، وإنما على دمج مختلف القدرات القتالية في منظومة واحدة أكثر مرونة وكفاءة، قادرة على مواجهة متطلبات الحروب الحديثة وضمان التفوق العملياتي في ساحات القتال المستقبلية.