تقارير وحوارات
السيادة اليمنية ضحية التفاهمات السعودية مع الحوثي
لم تمضي سوى أيام قليلة على موجة التصعيد واستعراض البيانات بين الحكومة اليمنية والجماعة الحوثية التي فجرتها قضية الرحلة الإيرانية إلى مطار صنعاء، وما رافقها من قصف مطاري صنعاء اليمني وأبها السعودي، حتى سارعت السعودية إلى الترحيب بالمبادرة الأردنية الخاصة بتسيير رحلات تجارية منتظمة بين عمان وصنعاء، ووصفتها بأنها خطوة إنسانية تصب في دعم جهود السلام في اليمن.
هذا الترحيب لم يأتي بمعزل عن سلسلة من التحركات السياسية التي سبقت ذلك، بل بدأ امتداداً لمسار تفاوضي تقوده الرياض منذ فترة عبر وساطات إقليمية، في محاولة لإعادة ترتيب ملف المطارات والموانئ اليمنية، والتوصل إلى تفاهمات جديدة مع جماعة الحوثي، وهو ما يثير تساؤلات متزايدة حول طبيعة السياسة السعودية الحالية، وحدود التحول الذي طرأ على موقفها من الجماعة التي خاضت ضدها حرباً امتدت لأكثر من عقد.
اللافت أن الرياض التي ما زالت تعلن رسمياً قيادتها لتحالف دعم الشرعية، باتت تتحرك في ملفات عديدة كوسيط بين الحكومة اليمنية والحوثيين، وليس كطرف يقود معركة لاستعادة مؤسسات الدولة، وهذا التحول يطرح إشكالية حقيقية تتعلق بمفهوم السيادة اليمنية، عندما تصبح قضايا سيادية مثل تشغيل المطارات والرحلات الدولية، محل وساطات واتصالات خارج إطار القرار الحكومي المباشر.
حيث سبقت ذلك تحركات سعودية عبر سلطنة عمان ودولة قطر، تضمنت مقترحات تتعلق بتوسيع وجهات مطار صنعاء وتأجيل تشغيل خط صنعاء - طهران، في إطار ترتيبات مرتبطة بخارطة الطريق السياسية، ورغم أن تلك المساعي لم تحقق أهدافها إلا إنها عكست حجم الانخراط السعودي في التفاوض المباشر وغير المباشر مع الحوثيين، بما يتجاوز الدور التقليدي الذي كانت تعلنه منذ بدء الحرب.
هذه الوقائع مجتمعة تعكس حالة من التناقض في السياسة السعودية، فمن جهة تستمر المملكة في الحديث عن دعم الشرعية اليمنية، ومن جهة أخرى تتحرك بصورة تمنح الحوثيين اعترافاً سياسياً متزايداً، وتتعامل معهم باعتبارهم الطرف الأكثر تأثيراً في مستقبل اليمن، بينما تبدو الحكومة اليمنية وكأنها الطرف الأكثر ضعف الذي يطلب منه تنفيذ تكاليف الرياض، وتوضيفها ضمن تفاهمات سعودية حوثية.
إن سلسلة التفاهمات التي شهدها الملف اليمني خلال الأعوام الأخيرة، أظهرت انتقال الرياض تدريجياً من خيار المواجهة العسكرية إلى خيار إدارة العلاقة مع الحوثيين عبر التفاهمات السياسية والأمنية، في محاولة لتأمين حدودها الجنوبية وتقليل كلفة الحرب، حتى وإن جاء ذلك على حساب أولويات الحكومة اليمنية أو موازين القوى الداخلية.
إن منح الرياض جماعة الحوثيين مزيداً من المكاسب السياسية والاقتصادية يرسخ واقعاً جديداً يمنح الجماعة نفوذاً أكبر داخل المعادلة اليمنية، ويحولها من جماعة متمردة إلى شريك سياسي تفرض شروطه على طاولة التفاوض، وهو ما قد ينعكس مستقبلاً على شكل الدولة اليمنية وطبيعة أي تسوية سياسية قادمة.
كما أن النقاش الدائر حول تقاسم الموارد، وإعادة تشغيل المطارات والموانئ، وربطها بمسارات التفاوض، يعكس انتقال ملفات سيادية واقتصادية إلى دائرة التفاهمات الإقليمية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مستقبل القرار اليمني، وما إذا كانت مؤسسات الدولة ما تزال صاحبة الكلمة الفصل في هذه القضايا، أم أن القرار بات يتشكل في العاصمة الرياض وفق اعتبارات تتجاوز المصالح اليمنية المباشرة.
وبغض النظر عن المواقف السياسية المختلفة، فإن ما يجري اليوم يكشف أن الملف اليمني دخل مرحلة مختلفة تماماً عن مرحلة الحرب التي انطلقت عام 2015م، فالمعادلات تغيرت، وأولويات الأطراف الإقليمية تبدلت، وأصبح الحوثيون وبدعم سعودياً متستراً رقماً رئيسياً في أي ترتيبات سياسية أو أمنية، بينما تتراجع تدريجياً مكانة الحكومة اليمنية المدعومة من قبل الرياض في كثير من الملفات التي تمس سيادة الدولة بصورة مباشرة، وانحصارها فقط في بيانات وتصريحات تناقض نفسها بنفسها.