اخبار الإقليم والعالم
دعم الصدر يمنح معركة الزيدي ضد الفساد زخما شعبيا
يشكّل التأييد الشعبي الواضح الذي يحظى به رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في حملته على الفساد ظهيرا مهمّا في المعركة القضائية والتنظيمية التي اختار أن يستهل بها ولايته على رأس السلطة التنفيذية، رغم إدراكه المسبق لصعوبة هذه المواجهة، في ظل تغلغل الفساد في مختلف مفاصل الدولة، وقوة شبكات المصالح المرتبطة به وقدرتها على الدفاع عن نفوذها.
ويراهن الزيدي في المقام الأول على قوة القانون والمؤسسات في مواجهة من يُعرفون شعبيا بـ”الهوامير” و”حيتان الفساد”، لكنه يعوّل كذلك على الدعم الشعبي المتنامي، الذي تغذيه عودة الأمل في إمكانية تحقيق إصلاح حقيقي بعد سنوات طويلة من الغضب الجماهيري بسبب نهب المال العام، وتعثر التنمية، وتردي الخدمات، وتراجع مستوى المعيشة. وهو الغضب الذي بلغ ذروته خلال احتجاجات عام 2019، عندما طالب المحتجون باجتثاث منظومة الفساد، من دون أن تنجح تلك الانتفاضة في تحقيق أهدافها بصورة كاملة.
ويستند الزيدي إلى حالة تأييد تتجاوز الانقسامات العرقية والطائفية، وتشمل مختلف مكونات المجتمع العراقي، بما في ذلك المكوّن الشيعي الذي يمثل الخزان الجماهيري الأكبر للقوى التي قادت العملية السياسية منذ عام 2003.
وفي هذا السياق أبدى رئيس التيار الوطني الشيعي في العراق مقتدى الصدر استعداده لتسخير قاعدته الجماهيرية الواسعة وثقله المعنوي في دعم التوجه الإصلاحي الذي تقوده الحكومة، معلنا مساندته لحملة ملاحقة الفاسدين واستعادة هيبة الدولة.
الحكومة ترجمت هذه التوجهات عبر سلسلة من الإجراءات العملية استهدفت ما وصفته بـ"مراكز النفوذ والفساد"
وقال الصدر، في كلمة موحدة تليت عقب صلاة الجمعة في عدد من المحافظات العراقية، “كنا وما زلنا دعاة إصلاح، ولا يجمعنا بالفاسدين حتى حب الحسين، وقد كنتم وما زلتم معي في السراء والضراء، فلنكمل طريقنا في دعم الإصلاح وحملة الإصلاح الجديدة التي بدأ نورها يشع في ثنايا عراقنا الحبيب”.
وخاطب أنصاره قائلا “هبّوا لوقفة سلمية تدعم الإصلاح وجندي الإصلاح الأخ علي فالح الزيدي، رئيس الحكومة العراقية، لنقوي عزيمته، ولنثبط عزيمة الفاسدين الذين يحاولون الضغط عليه وثنيه عن المداهمات الشجاعة والمثمرة التي أرعبت وأزعجت الكثيرين في الداخل والخارج”.
وأضاف “شكرا لكل من أعان الأخ الزيدي، كالقضاء العراقي ورئيس البرلمان والقوات الأمنية البطلة، وأحمّل الفاسدين المسؤولية الكاملة عن حياة المصلحين وجندي الإصلاح وكل دعاة الإصلاح الذين يسعون إلى إعادة هيبة الوطن والدين والمذهب”.
واختتم الصدر كلمته بالهتاف “نعم نعم للإصلاح… كلا كلا للفساد”.
وعقب انتهاء صلاة الجمعة الموحدة خرج أنصار الصدر في تظاهرات حاشدة في عدد من المحافظات، رافعين الأعلام العراقية، ومرددين شعارات تؤيد الحكومة في ملاحقة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة.
ويعد موقف الصدر أبرز موقف شعبي من نوعه في دعم حكومة عراقية تخوض مواجهة مباشرة مع الفساد، كما أضفى زخما جماهيريا على الجهود التي تبذلها الحكومة والبرلمان والسلطة القضائية في ملاحقة المتهمين بقضايا الفساد واستعادة الأموال العامة، رغم أن التيار الوطني الشيعي بقيادة الصدر لا يشارك في العملية السياسية الحالية، ولا يمتلك تمثيلا داخل الحكومة.
وكانت مصادر عراقية قد أعلنت، قبل أيام، اعتقال سبعة وأربعين متهما بقضايا فساد، من بينهم قادة أحزاب ونواب ومسؤولون كبار، وذلك بعد اعترافات أدلى بها المطلوب للقضاء العراقي عدنان الجميلي، وكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع.
وخلال الفترة القصيرة منذ تشكيلها، أظهرت حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي عزما واضحا على فتح الملفات التي بقيت مجمدة لسنوات بسبب تعقيداتها وتشابك المصالح المرتبطة بها، وهي الملفات التي أحجمت حكومات سابقة عن معالجتها بصورة جذرية، أو اكتفت بحلول جزئية ساهمت في تراكمها وتحولها إلى أزمات مزمنة.
وتبعا لذلك شهد العراق خلال الأيام الماضية حراكا سياسيا وأمنيا غير مسبوق، استند إلى مجموعة من “اللاءات” التي أعلنها رئيس الوزراء منذ حصول حكومته على ثقة البرلمان في الرابع عشر من مايو الماضي، والتي رسمت ملامح مرحلة جديدة في إدارة الدولة.
وتمثلت هذه “اللاءات” في إعلان الحرب على الفساد، وملاحقة السلاح المنفلت، وبناء اقتصاد مستدام يحد من الارتهان للريع النفطي، إلى جانب تعهده الشخصي بعدم الترشح لولاية ثانية، في محاولة لتعزيز الثقة الشعبية وطمأنة القوى السياسية.
وتشير المعطيات إلى أن الاجتماعات الحكومية المكثفة التي ترأسها الزيدي أسهمت في تحويل هذه التعهدات من شعارات سياسية إلى إجراءات تنفيذية وتشريعية، تمهد لمرحلة يصفها مراقبون بأنها من أكثر المراحل حساسية في تاريخ العراق الحديث.
وفي مقابلة صحفية عرض الزيدي رؤيته بصورة مفصلة، معتبرا أن الفساد يمثل تهديدا وجوديا للدولة، وقال “لا حصانة لأي فاسد… سأطارد كل حرامي ليلا ونهارا… أموال الشعب ستعود”.
وترجمت الحكومة هذه التوجهات عبر سلسلة من الإجراءات العملية استهدفت ما وصفته بـ”مراكز النفوذ والفساد”.
ففي جلستها الأولى ألزمت الوزراء بتقديم إقرارات الذمة المالية خلال أسبوع، مع حظر إجراء تغييرات هيكلية ذات طابع حزبي داخل مؤسسات الدولة.
وفي الجلسة الثانية وجّهت هيئة النزاهة إلى جعل ملف استرداد الأموال المنهوبة أولوية وطنية، مع توظيف العلاقات الدولية للضغط على الدول التي تستضيف الأموال المهربة أو تحتضنها.
ومع توالي جلسات مجلس الوزراء، اتجهت الحكومة إلى تشديد الرقابة المالية والإدارية، إذ أقرت في جلستها السابعة إيقاف التعاقدات الاستثمارية التي تجاوزت فيها أوامر الغيار نسبة 25 في المئة، وذلك في إطار الحد من العقود الوهمية وإغلاق منافذ الهدر والفساد.