اخبار الإقليم والعالم
الاحترار القاسي في أوروبا.. تحدٍ جديد للتمويل المناخي
مع ارتفاع درجات الحرارة المفرطة، واجهت الدول الأوروبية في بداية صيف 2026 تحديات عديدة؛ خاصة وأنها من دول الشمال المعروفة بانخفاض متوسط درجات الحرارة فيها مقارنة بدول الجنوب.
لقد وضع الطقس المتطرف أوروبا أمام أمر وقضية ذات حساسية شديدة على أجندة المناخ العالمية، ألا وهي التمويل المناخي وأولوية المساهمة الحتمية للدول المتقدمة من أجل مساعدة الدول النامية على الصمود والتكيف، فهل ستواصل دول أوروبا المتقدمة ضخ التمويل المناخي نحو دول الجنوب العالمي؟ أم تستفيد هي من إمكاناتها لتعزيز قدراتها على التكيف ومواجهة الظواهر الطقسية المتطرفة؛ خاصة بعد تسجيل فرنسا نحو 40 درجة مئوية في يونيو/حزيران الجاري. كل تلك الظروف تحد من أولوية توجيه الدول المتقدمة التمويل المناخي للدول النامية.
قمة السبع (G7)
انعقدت قمة السبع (G7) بين يومي 15 إلى 17 يونيو/حزيران 2026 في مدينة إيفيان ليه بان في فرنسا، وهي بمثابة تجمع غير رسمي لقادة أكبر الدول الصناعية المتقدمة، وهم: الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، ألمانيا، اليابان، إيطاليا، كندا، والمملكة المتحدة.
خلال القمة، ناقشت الدول قضايا الاقتصاد العالمي والتكنولوجيا والطاقة والسياسات الدولية والأمن وحضر أيضًا ملف المناخ على طاولة النقاشات باعتباره تهديدًا يواجه البشرية، يستحق النظر إليه.
من جانب آخر؛ فأزمة المناخ قد خلقت بالفعل العديد من الفرص للابتكار وخلق فرص عمل جديدة، قائمة على مشاريع مناخية للتخفيف من آثار التغير المناخي والتكيف معه.
قضية التمويل
لعل من أبرز القضايا التي ناقشتها مجموعة السبع خلال القمة هي التمويل؛ إذ تُوفر تلك الدول النسبة الأكبر من التمويل العالمي المخصص للمساعدات والتنمية الدولية، ما يجعل القرار الحاسم بشأن التمويلات الإنمائية بيد تلك المجموعة.
وتجدر الإشارة إلى أنّ ثلث المساعدات الإنمائية الثنائية تُقدمها تلك الدول لدعم المشروعات المرتبطة بالمناخ، ويأتي على رأسهم فرنسا وألمانيا واليابان التي تُخصص النسبة الأكبر من مساعداتها لدعم مشروعات المناخ، وتُعد الولايات المتحدة الأمريكية هي الأقل مقارنة ببقية أعضاء المجموعة من حيث ضخ مساعداتها لمشاريع المناخ والبيئة اليوم؛ خاصة مع انسحابها من اتفاق باريس، الأمر الذي قلًص إجمالي مساهمة المجموعة، ما يُوحي بالتأثير القوي للولايات المتحدة.
رفاهية الأغنياء
ركزت قمة السبع 2026 أيضًا على إصلاح منظومة التمويل الدولي، عبر زيادة الاستثمار وتوسيع الشراكات في القطاع الخاص وتعزيز تمويل المناخ بما يساعد الدول النامية على مواجهة التحديات الاقتصادية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة. مع ذلك، لم تصل إلى التزامات صارمة لدعم التمويل المناخي. وتجدر الإشارة إلى أنّ تعهدت الأطراف في الدورة التاسعة والعشرين من مؤتمر الأطراف المعني بتغير المناخ (COP29)، والذي انعقد في باكو بأذربيجان عام 2024، خرجت بتمويل مناخي قدره 300 مليار دولار، وعلى الرغم من أنّ هذا المبلغ لم ينل استحسان الكثيرون، إلا أنّ البعض اعتبره خطوة نحو دعم العمل المناخي. لكن مع زيادة التحديات المناخية التي تواجهها دول الشمال؛ والتي برزت في ارتفاع متوسط درجات الحرارة في بعض الدول الأوروبية خلال هذا الصيف، يبدو أنّ آليات توجيه التمويل المناخي ستتغير.
وفي هذا الصدد، يقول المنسق المصري السابق لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) في حديثه للعين الإخبارية، هشام عيسى، إنّ "تمويل المناخ أصبح نوعًا من أنواع رفاهية الأغنياء". ويتابع: "يحتل تمويل المناخ أولوية في أجندة الدول النامية، لكنه لا يحتل نفس الأولوية في أجندة الدول المتقدمة؛ خاصة في هذه الظروف الجيوسياسية التي نمر بها، سواء بسبب الحرب الروسية-الأوكرانية أو حرب إيران والولايات المتحدة".
أولوية وطنية
وفي ظل تضرر دول الشمال لمخاطر التغيرات المناخية، يزداد العبء الاقتصادي والصحي لديها، ما يحتاج إلى المزيد من التكاليف، وبدلًا من ضخ التمويل للدول النامية، يتم توجيهه للداخل، بحسب هشام عيسى الذي يقول للعين الإخبارية: "لقد وصلت تأثيرات التغيرات المناخية إلى أوروبا بصورة ملحوظة، وألحقت الضرر في بعض مناطقها، ولعل أقرب مثال على ذلك وصول درجة الحرارة في فرنسا خلال الشهر الجاري إلى 40 درجة مئوية، وفي هذه الحالة، تحتاج الدول الأوربية إلى الأموال لمعالجة الضرر المناخي اللاحق بها، من جفاف وارتفاع في درجات الحرارة، ما يؤثر على صحة الناس؛ خاصة وأنّ تلك الشعوب تُعاني من ارتفاع درجات الحرارة بصورة كبيرة؛ لأنهم لم يعتادوا على الشمس الحارقة كما تكيف معها سكان الجنوب، ما يجعل الأزمات الحرارية مُكلفة بالنسبة إليهم، إضافة إلى تأثير ذلك على الإنتاجية؛ إذ يُضطر الكثيرون لعدم الذهاب للعمل خلال فترات الحرارة المرتفعة".
ويستكمل عيسى في حديثه مع العين الإخبارية؛ قائلًا: "لكن تكلفة مكافحة تغير المناخ في أوروبا أعلى من الماضي؛ فقد أصبحت أولوية تمويل التغير المناخي لصالح دولها".
ويختتم حديثه قائلًا: "برأيي إنّ أمل التمويل المناخي الأخير سيكون في مؤتمر المناخ القادم، وإذا لم تصل الأطراف إلى حلول؛ فكل دولة ستعتمد على نفسها من خلال حلولها وتمويلها لذاتها، ومن المحتمل أن تنتهي فكرة توفير تمويل مناخي من الدول المتقدمة للدول النامية".