رياضة وشباب
إيرانيون مرهقون من الحروب والأزمات يلتمسون فسحة للفرح في كرة القدم
تمثّل مشاركة المنتخب الإيراني في نهائيات كأس العالم لكرة القدم أكثر من مجرّد مشاركة في منافسة رياضية.. إنّها مساحة بسيطة للفرح والسعادة في غمرة الأزمات والأحزان التي لا تغادر بلدهم بسبب جور النظام وعنفه ودكتاتوريته، وصعوبة الظروف المعيشية المترتبة عن سنوات طويلة من العقوبات الاقتصادية المفروضة على بلدهم، وأخيرا بسبب الحرب التي خاضها البلد ضد أميركا وإسرائيل وألحقت به وبشعبه خسائر بشرية ومادية فادحة.
وفي نهاية مباراة لم يحصلوا فيها على ما اعتقدوا أنهم يستحقونه داخل المستطيل الأخضر، لم يكن التعب باديا فقط على وجوه لاعبي منتخب إيران. كانت هناك أيضا نبرة إرهاق من نوع آخر، إرهاق شعب يعيش على وقع التوترات، ومنتخب يتنقل بين المدن والحدود، ولاعبون يجدون أنفسهم، مرة أخرى، مطالبين بالإجابة عن أسئلة تتجاوز كرة القدم.
وجاء التعادل أمام منتخب نيوزيلندا بهدفين لمثلهما، الإثنين، في وقت تتجه فيه أنظار العالم إلى الصراع العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، وما يثيره من مخاوف بشأن اتساع رقعة المواجهة في المنطقة. وفي خضم هذه الأجواء الثقيلة، بدا لاعبو إيران وكأنهم يحاولون التشبث بمساحة صغيرة من الحياة الطبيعية.. تسعون دقيقة من كرة القدم، وبعض الفرح الذي يمكن إرساله إلى شعب يتابع من بعيد.
لم يُخف رامين رضائيان، المتوج بجائزة أفضل لاعب في المباراة، شعوره بالإحباط بعد صافرة النهاية. وقال للقناة التابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) إن ظروف البطولة لم تكن سهلة على الإطلاق، "الأمر صعب للغاية، التدرب في المكسيك كان تحديا، لكن عليّ أن أشكر الشعب هناك فقد كانوا لطفاء جدا معنا. ومع ذلك، فإنه من الصعب جدا أن نتدرب في المكسيك ونلعب في لوس أنجلوس".
وأضاف بنبرة امتزج فيها الأسف بالفخر: "لسنا سعداء اليوم لأننا كنا نستحق الفوز، لكن هذه هي كرة القدم. شكرا لزملائي وللشعب في إيران، إنهم يستحقون أكثر. علينا النظر إلى الأمام والتفكير في مباراتنا المقبلة".
وفي بطولة تمتد عبر ثلاث دول ومسافات شاسعة، لا تبدو المعاناة اللوجستية مجرد تفصيل ثانوي، بل جزءا من القصة اليومية لبعض المنتخبات.
سئل رضائيان عن احتفاليته بعد تسجيل الهدف الأول، حين رفع قميصه أمام الجماهير. كان السؤال يحمل في طياته محاولة لقراءة رسالة سياسية في حركة عفوية.
لكن اللاعب اختار طريقا آخر: "هي سعادة خاصة، لا أريد الحديث عن أي شيء سياسي، أنا هنا للعب كرة القدم فقط."
وعندما انتقل الحديث إلى صافرات الاستهجان التي رافقت النشيد الوطني الإيراني، تردد قليلا قبل أن يجيب باللغة الإنجليزية المتعثرة التي لم تمنعه من إيصال فكرته بوضوح: "نحن هنا للإجابة عن أسئلة كرة القدم. شعبي عظيم والجميع في العالم يعرف ذلك الآن. إذا كانت هناك أي مشاكل بيننا، فهذا شأننا الخاص وليس من شأنكم، نحن سنحل مشاكلنا بأنفسنا، لا تقلقوا".
في أوقات الحرب تتحول كرة القدم إلى مرآة لما يعيشه الناس خارج الملاعب. أما لاعبو إيران فبدوا وكأنهم يحاولون استخدامها بطريقة مختلفة ليس للهروب من الواقع، بل للتمسك بفكرة بسيطة وسط كل هذا الضجيج؛ أن هناك شعبا يحتاج ولو لتسعين دقيقة إلى بعض السلام والفرح.
في لحظة إقليمية مشحونة، وبينما تتصدر أخبار الحرب المحتملة العناوين، بدا اللاعب وكأنه يرسم حدودا واضحة بين ما يحدث خارج الملعب وما يريد أن يمثله داخله.
رغم الضجيج السياسي، وجد الإيرانيون عزاءهم في المدرجات. قال محمد مهيبي لقناة "فيفا" إن الاحتفالية التي قام بها بعد المباراة جاءت بشكل تلقائي:"أولا أود شكر كل الإيرانيين الذين يعيشون في لوس أنجليس، لقد صنعوا أجواء مذهلة، وتلك الاحتفالية جاءت بشكل عفوي في ذهني وأردت القيام بها من أجل الجماهير."
وتوقف مهيبي عند الدعم الذي تلقاه المنتخب أيضا من الجماهير المكسيكية في تيخوانا، حيث يقيم الفريق ويتدرب قائلا: "الجماهير في لوس أنجليس كانت لا تصدق طوال التسعين دقيقة وشعرنا كأننا في وطننا. أما بخصوص تيخوانا، فنحن نشعر بالراحة هناك والجميع يحبنا، ونحن نقدر دعمهم ونتطلع للمباراتين القادمتين".
وفي بطولة تقام بعيدا عن الوطن، بدت الجاليات الإيرانية والمساندة القادمة من خارج الحدود بمثابة وطن متنقل، يرافق اللاعبين من مدينة إلى أخرى.
لكن خلف صور الدعم الجماهيري، خرج اللاعبون أيضا عن اللغة المعتادة في المقابلات المختصرة، متحدثين بصراحة نادرة عن الأوضاع الإدارية واللوجستية التي تحيط بالمنتخب.
قال مهدي طارمي بمرارة: "ما زلنا نواجه مشاكل، كان من المفترض أن نتدرب غدا صباحا للتعافي ثم نغادر، لكن علينا مغادرة لوس أنجليس فورا، وهذا ليس جيدا لكرة القدم ولا للاعبين الذين يعيشون تحت الضغط. الفيفا يجب أن تساعدنا أكثر".
وأضاف: "كان يجب أن نصل هنا قبل يومين من المباراة، لكننا وصلنا ليلة المباراة وبدأنا التدريبات فورا ونحن متعبون. لا أعرف من قرر ذلك، هل هو الاتحاد أم فيفا؟ نحن نفتقر للمسؤول الإعلامي، ولرئيس الاتحاد، ولنائب الرئيس، حتى محلل الأداء لدينا يقوم بعمل الملحق الإعلامي".
ثم اختصر المشهد بكلمة واحدة: "كل شيء يبدو كارثة بالنسبة لنا، لكننا لا نبحث عن أعذار، سنبذل قصارى جهدنا من أجل شعبنا."
وعندما حاول المحاور التوسع في الأسئلة الإدارية، جاء الرد صريحا: "صديقي، أنا مجرد لاعب ولست رئيس الاتحاد، لا يمكنني الإجابة عن أسئلة إدارية. عليكم توجيه هذه الأسئلة للمسؤولين في فيفا الذين يملكون الإجابات".
وسط الحديث عن الحرب والتعب والمشكلات التنظيمية، ظل اللاعبون يعودون إلى الفكرة ذاتها... تمثيل الإيرانيين أينما كانوا.
ويضيف مهيبي:"نحن متحدون دائما مع شعبنا، وكرة القدم هي وسيلتنا لتوحيد الإيرانيين سواء في الداخل أو الخارج. لا تهمنا الأمور السياسية، نحن نلعب لتمثيل كل إيراني في زوايا العالم وجعلهم متحدين".
وسئل إن كان يشعر بالهدوء فقط عندما يكون داخل الملعب، فأجاب: "نحن دائما هادئون. في كأس العالم الجميع ينظر إليك، وهذا يمنحنا الفرح. نحن نمارس كرة القدم منذ طفولتنا، وعندما تسجل تشعر بفرح كبير وتريد نقل هذا الفرح للمشجعين".
في نهاية المطاف، ربما كانت أكثر العبارات تعبيرا عن حال المنتخب الإيراني هي تلك التي جاءت بعيدا عن لغة التكتيك والإحصاءات.
يقول مهيبي: "نحن متعبون من هذا الوضع المليء بالمشاكل منذ شهرين، نأمل فقط في السلام والفرح، وهي شعارات فيفا التي لم نلمسها هنا. حتى عندما جاء مسؤول من الاتحاد الدولي إلى غرفة الملابس، سألناه عن هذه الأمور. نحن فقط نريد أن يعم الهدوء ونلعب كرة القدم".
ثم أضاف، موجها رسالته الأخيرة إلى الجماهير: "إذا لم يساعدنا أحد فلا يهم، سندعم بعضنا البعض ونتآزر للفوز بالمباراتين القادمتين وتحقيق تاريخنا. فهذه هي المرة السابعة لنا في كأس العالم ونتطلع إلى تحقيق إنجاز حقيقي".
في أوقات الحرب، كثيرا ما تتحول كرة القدم إلى مرآة لما يعيشه الناس خارج الملاعب. أما لاعبو إيران، فبدوا وكأنهم يحاولون استخدامها بطريقة مختلفة ليس للهروب من الواقع، بل للتمسك بفكرة بسيطة وسط كل هذا الضجيج، أن هناك شعبا يحتاج، ولو لتسعين دقيقة، إلى بعض السلام والفرح.