اخبار الإقليم والعالم
جيل جديد يواجه إرث حكم أردوغان الممتد لأكثر من عقدين
تواجه تركيا في المرحلة الراهنة حالة متصاعدة من التوتر بين جيل شاب نشأ بالكامل تقريباً تحت حكم الرئيس رجب طيب أردوغان، وبين منظومة سياسية واقتصادية وثقافية تشكلت على مدى أكثر من عقدين من الزمن.
ولم يعد هذا التوتر مجرد اختلاف في الرؤى أو تباين في المواقف السياسية، بل تحول تدريجياً إلى أزمة ثقة واسعة تعكسها استطلاعات الرأي، والتحركات الاحتجاجية، وتزايد نزعة الهجرة لدى فئات واسعة من الشباب.
وبعد أكثر من 23 عاماً في السلطة، ترك أردوغان إرثاً عميقاً في بنية الدولة التركية، شمل مؤسسات الحكم والتعليم والقضاء والإعلام، وصولاً إلى المجال الديني والثقافي.
وقد رُوّج لهذا التحول بوصفه مشروع “تركيا الجديدة” الذي يعيد صياغة هوية الدولة والمجتمع على أسس أكثر محافظة واستقلالاً، غير أن هذا المشروع نفسه بات اليوم محل مراجعة وانتقاد من جانب شريحة متزايدة من الشباب، الذين يشعرون بأن المسافة بين وعود الماضي وواقع الحاضر تتسع بشكل ملحوظ.
ومنذ وصوله إلى الحكم مطلع الألفية، عمل أردوغان وحزبه “العدالة والتنمية” على إعادة تشكيل الدولة التركية تدريجياً. فقد جرى تعزيز حضور الخطاب المحافظ في المجال العام، وتوسيع دور المؤسسات الدينية، وإعادة ضبط التوازن بين الدولة والدين والتعليم.
ومن أبرز مظاهر هذا التحول التوسع الكبير في مدارس “إمام خطيب” الدينية، التي ارتفع عدد طلابها من عشرات الآلاف في بداية الألفية إلى أكثر من مليون طالب خلال السنوات الأخيرة، في نظام تعليمي يجمع بين المقررات الدينية والمدنية بنسب متفاوتة.
وفي موازاة ذلك، اكتسبت رئاسة الشؤون الدينية (ديانت) نفوذاً متزايداً داخل الحياة العامة، عبر شبكة واسعة من المساجد والبرامج الدينية والأنشطة التعليمية، ما جعلها أحد أهم أدوات الدولة في تشكيل الخطاب الديني والاجتماعي.
كما شهدت المناهج التعليمية تعديلات لافتة، شملت تقليص حضور بعض النظريات العلمية لصالح محتوى ذي طابع قيمي وديني، وهو ما أثار جدلاً مستمراً حول حدود العلاقة بين التعليم والهوية السياسية.
وفي المقابل، يرى منتقدون أن هذه التغييرات لم تكن مجرد إصلاحات تعليمية أو ثقافية، بل شكلت جزءاً من مشروع أوسع لإعادة صياغة الوعي العام، بما ينسجم مع رؤية سياسية محافظة تسعى إلى إعادة تعريف دور الدين والمجتمع والدولة.
ومع مرور الوقت، بدأ هذا المشروع ينعكس بشكل مباشر على وعي جيل كامل نشأ داخل هذا الإطار، لكنه لم يتفاعل معه دائماً بالقبول.
وكان التحول الأبرز في هذا المسار احتجاجات “غيزي بارك” عام 2013، التي بدأت كحراك بيئي محدود في إسطنبول، لكنها سرعان ما تحولت إلى احتجاجات واسعة النطاق شملت مختلف المدن التركية وشارك فيها ملايين الأشخاص من خلفيات اجتماعية وسياسية متنوعة.
لم يعد هذا التوتر مجرد اختلاف في الرؤى أو تباين في المواقف السياسية، بل تحول تدريجياً إلى أزمة ثقة واسعة تعكسها استطلاعات الرأي، والتحركات الاحتجاجية، وتزايد نزعة الهجرة لدى فئات واسعة من الشباب.
وقد شكلت تلك الاحتجاجات لحظة مفصلية في العلاقة بين الدولة وجيل الشباب، إذ كشفت عن حجم الغضب الكامن داخل شرائح واسعة من المجتمع، خصوصاً بين الشباب المتعلم في المدن الكبرى.
ورغم أن السلطات تعاملت مع تلك الاحتجاجات بحزم شديد، عبر استخدام القوة الأمنية وعمليات الاعتقال الواسعة، فإن آثارها السياسية والاجتماعية استمرت في التراكم. فقد ساهمت في ترسيخ ما يمكن وصفه بثقافة احتجاج جديدة لدى الشباب التركي، لم تعد ترى في الشارع مجرد مساحة استثنائية، بل أداة للتعبير السياسي يمكن اللجوء إليها عند الضرورة.
وفي السنوات اللاحقة، تعمقت أزمة الثقة بين الشباب والدولة، خصوصاً مع تفاقم التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة على الوصول إلى فرص عمل مستقرة.
وتشير استطلاعات رأي متعددة إلى تراجع واضح في مستوى التفاؤل بالمستقبل، مقابل ارتفاع شعور “الإرهاق المجتمعي” لدى شرائح واسعة من السكان، وخاصة الشباب.
وتظهر بعض الدراسات أن نسبة كبيرة من الشباب بين 18 و29 عاماً يفكرون في مغادرة البلاد إذا أتيحت لهم فرصة الحصول على جنسية أخرى، وهو ما يعكس ليس فقط ضغوطاً اقتصادية، بل أيضاً شعوراً متزايداً بالاغتراب السياسي والاجتماعي، وفقدان الثقة في إمكانية التأثير على مستقبل البلاد من الداخل.
وفي المقابل، يواصل الخطاب الرسمي التركي التأكيد على أن البلاد تسير نحو “قرن تركيا”، وهو مشروع يُفترض أن يقوده الشباب ويعتمد على تعزيز القوة الاقتصادية والسياسية للدولة. إلا أن الفجوة بين هذا الخطاب والواقع اليومي تبدو واضحة لدى الكثيرين، حيث يصطدم الطموح الرسمي بتحديات معيشية وسياسية تجعل صورة المستقبل أقل وضوحاً.
وسياسياً، شهدت تركيا خلال السنوات الأخيرة تصاعداً في حدة الاستقطاب الداخلي، مع ازدياد التوتر بين الحكومة والمعارضة، وتكرار حالات الاعتقال والمحاكمات التي طالت سياسيين ونشطاء وشخصيات عامة.
وقد أسهم هذا المناخ في تعزيز شعور لدى قطاعات من الشباب بأن المجال العام بات أكثر انغلاقاً، وأن فرص التعبير والمشاركة السياسية تتقلص تدريجياً.
كما أدت بعض القرارات الحكومية المثيرة للجدل، بما في ذلك التدخلات في المؤسسات التعليمية وإغلاق أو تغيير وضع بعض الجامعات، إلى موجات احتجاج طلابية، عكست استمرار الحس الاحتجاجي لدى الجيل الجديد، رغم الضغوط السياسية والأمنية.
وفي هذا السياق، تبدو العلاقة بين الدولة والشباب في تركيا وكأنها دخلت مرحلة جديدة من التوتر البنيوي، حيث لم تعد الاحتجاجات أحداثاً عابرة، بل تعبيراً متكرراً عن فجوة متزايدة في الرؤية بين جيل نشأ داخل مشروع سياسي طويل الأمد، وجيل يبحث عن آفاق مختلفة لمستقبله.
ومع استمرار التحديات الاقتصادية والسياسية، وعدم وجود مؤشرات واضحة على انفراج قريب، يبقى مستقبل هذه العلاقة مفتوحاً على عدة احتمالات. فإما أن تنجح الدولة في إعادة بناء الثقة مع الجيل الجديد عبر إصلاحات سياسية واقتصادية عميقة، أو أن تستمر الفجوة في الاتساع، بما يعيد تشكيل المشهد الاجتماعي والسياسي التركي في السنوات القادمة بشكل أكثر تعقيداً.