اخبار الإقليم والعالم

لبنان.. الساحة التي تتقاطع عندها حروب الشرق الأوسط

وكالة أنباء حضرموت

لم يعد لبنان مجرد ساحة نزاع بين إسرائيل وحزب الله، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى نقطة التقاء لمجمل الصراعات الإقليمية التي تعصف بالشرق الأوسط. فكلما اشتعلت جبهة في المنطقة، من غزة إلى إيران مروراً بسوريا واليمن، بدا لبنان وكأنه الحلقة التي تستقبل ارتدادات تلك المواجهات أو تتحول إلى منصة لإعادة إنتاجها.

ومع استمرار التصعيد الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية بالتوازي مع المفاوضات والاشتباكات المرتبطة بالملف الإيراني، يبرز لبنان اليوم بوصفه الجغرافيا التي تتقاطع عندها حروب الشرق الأوسط وحساباته الاستراتيجية.

ولا يرتبط هذا الواقع فقط بموقع لبنان الجغرافي أو بوجود حزب الله باعتباره أحد أبرز الفاعلين العسكريين غير الحكوميين في المنطقة، بل أيضاً بالدور الذي اكتسبه البلد في معادلة الردع والصراع بين إيران وإسرائيل. فالجبهة اللبنانية لم تعد ملفاً منفصلاً يمكن التعامل معه بمعزل عن بقية الأزمات، بل أصبحت جزءاً من شبكة معقدة من المصالح والتحالفات والضغوط المتبادلة التي تمتد من طهران إلى واشنطن مروراً بتل أبيب والعواصم العربية.

ومنذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، بدأت ملامح الصراع الإقليمي الواسع تتشكل بصورة أكثر وضوحاً. فقد انخرط حزب الله في المواجهة دعماً لحركة حماس، بينما ردت إسرائيل بفتح جبهة واسعة على الحدود اللبنانية.

ومع مرور الوقت، تجاوزت المواجهة إطار الاشتباكات الحدودية التقليدية لتتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد امتدت آثارها إلى عمق الأراضي اللبنانية.

لكن أهمية الجبهة اللبنانية بالنسبة لإسرائيل لم تكن مرتبطة فقط بمواجهة حزب الله. فمن وجهة نظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، يشكل الحزب الحلقة الأقوى ضمن شبكة الحلفاء الإقليميين لإيران، والأكثر قدرة على تهديد العمق الإسرائيلي في حال اندلاع مواجهة شاملة.

ولذلك أصبحت الحرب على الحزب جزءاً من استراتيجية أوسع تستهدف تقليص نفوذ طهران في المنطقة وإضعاف أدواتها العسكرية والسياسية.

وفي المقابل، تنظر إيران إلى حزب الله باعتباره أحد أهم عناصر منظومة الردع التي بنتها على مدى عقود. ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى أي تصعيد في لبنان باعتباره شأناً لبنانياً داخلياً، بل باعتباره تطوراً يمس التوازنات الإقليمية الأوسع بين طهران وخصومها.

وما يجعل لبنان حالة مختلفة عن غيره من ساحات الصراع هو ارتباطه المباشر ببقية الملفات الإقليمية. فعندما تتعثر المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، ترتفع وتيرة التوتر في لبنان.

وعندما تقترب فرص التهدئة في غزة، تتجه الأنظار نحو الحدود اللبنانية خشية انتقال التصعيد إليها. وحتى التطورات في سوريا والعراق واليمن تجد انعكاساتها بصورة أو بأخرى على المشهد اللبناني.

وجعلت هذه العلاقة المتشابكة لبنان أشبه بمؤشر سياسي وعسكري لحالة المنطقة بأكملها. فالتصعيد على حدوده الجنوبية لا يعكس فقط طبيعة العلاقة بين إسرائيل وحزب الله، بل يكشف أيضاً اتجاهات الصراع بين واشنطن وطهران ومستقبل ترتيبات الأمن الإقليمي.

ولذلك لم يعد مستغرباً أن تتحول أي مفاوضات تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني أو بوقف إطلاق النار في غزة إلى عامل مؤثر في مسار الأحداث داخل لبنان. فالأطراف المختلفة تنظر إلى الجبهة اللبنانية باعتبارها ورقة ضغط يمكن استخدامها لتحسين شروط التفاوض أو لتوجيه الرسائل السياسية والعسكرية.

وخلال الأشهر الأخيرة، كثفت إسرائيل عملياتها العسكرية داخل لبنان، في إطار استراتيجية تقوم على إبقاء الضغط العسكري قائماً وعدم السماح لحزب الله بإعادة بناء قدراته بسهولة. لكن هذه العمليات تحمل أيضاً أبعاداً سياسية تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.

وترى الحكومة الإسرائيلية أن أي تسوية إقليمية لا تأخذ في الاعتبار مستقبل حزب الله ستبقى ناقصة من منظورها الأمني. ولهذا السبب تسعى إلى إبقاء الملف اللبناني حاضراً على طاولة المفاوضات الإقليمية، سواء تعلق الأمر بالمحادثات مع إيران أو بالجهود الدولية الرامية إلى احتواء التصعيد في المنطقة.

كما أن التصعيد في لبنان يوفر لإسرائيل وسيلة للحفاظ على مستوى معين من الضغط على إيران، عبر استهداف أهم حلفائها الإقليميين وأكثرهم تأثيراً.

ومن هنا تبدو الجبهة اللبنانية جزءاً من معركة أوسع تهدف إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط.

وفي الجهة المقابلة، تدرك إيران أن خسارة النفوذ في لبنان ستعني تراجعاً كبيراً في قدرتها على التأثير في التوازنات الإقليمية. فحزب الله لا يمثل بالنسبة لطهران مجرد حليف سياسي أو عسكري، بل يشكل أحد أهم أركان استراتيجيتها الدفاعية خارج الحدود.

ما يجعل لبنان حالة مختلفة عن غيره من ساحات الصراع هو ارتباطه المباشر ببقية الملفات الإقليمية. فعندما تتعثر المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، ترتفع وتيرة التوتر في لبنان. وعندما تقترب فرص التهدئة في غزة، تتجه الأنظار نحو الحدود اللبنانية خشية انتقال التصعيد إليها. وحتى التطورات في سوريا والعراق واليمن تجد انعكاساتها بصورة أو بأخرى على المشهد اللبناني.

ولهذا السبب تحرص إيران على ربط أي نقاش يتعلق بالأمن الإقليمي بمستقبل الجبهة اللبنانية. كما تسعى إلى منع تحويل لبنان إلى ساحة يمكن من خلالها فرض وقائع جديدة تضعف موقعها التفاوضي أو تقلص حضورها الإقليمي.

ومن هذا المنطلق، يصبح لبنان جزءاً من معادلة أكبر تتجاوز حدوده الوطنية، حيث تتداخل فيه حسابات الردع والصراع والنفوذ بين القوى الإقليمية والدولية.

وتلعب الولايات المتحدة دوراً محورياً في هذه المعادلة المعقدة. فمن جهة، تواصل دعم إسرائيل سياسياً وعسكرياً، ومن جهة أخرى تدرك أن استمرار الحرب على عدة جبهات يهدد الاستقرار الإقليمي ويزيد من المخاطر الاقتصادية والأمنية العالمية.

ولذلك تحاول واشنطن الموازنة بين دعم حليفها الإسرائيلي ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.

ويظهر هذا التوازن في الضغوط التي تمارسها أحياناً لاحتواء التصعيد أو الدفع نحو اتفاقات تهدئة، سواء في غزة أو في لبنان أو في إطار التفاوض مع إيران.

غير أن قدرة الولايات المتحدة على الفصل بين هذه الملفات تبدو محدودة، لأن الوقائع الميدانية تشير إلى أن جميع هذه الساحات باتت مترابطة بصورة تجعل أي انفراج في إحداها مرتبطاً بالتطورات في الساحات الأخرى.

ووسط هذه الحسابات الإقليمية والدولية، يبقى لبنان الطرف الأكثر تضرراً. فالبلد الذي يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية ومالية غير مسبوقة يجد نفسه مرة أخرى في قلب صراع يفوق قدراته وإمكاناته.

وأدى استمرار المواجهات إلى موجات نزوح واسعة من الجنوب اللبناني، وإلى أضرار كبيرة في البنية التحتية والأنشطة الاقتصادية. كما زادت حالة عدم اليقين السياسي والأمني من صعوبة جذب الاستثمارات أو إطلاق مسار فعلي للتعافي الاقتصادي.

والأخطر من ذلك أن لبنان يواجه خطر التحول إلى ساحة دائمة لتبادل الرسائل بين القوى الإقليمية، بحيث تصبح استقراره الداخلي وأوضاع مواطنيه رهينة لمعادلات لا يملك القدرة على التحكم بها.

وتشير المعطيات الحالية إلى أن مستقبل لبنان سيظل مرتبطاً إلى حد كبير بمسار الصراع الإقليمي الأوسع. فإذا نجحت الجهود الرامية إلى خفض التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، فقد تنعكس هذه التهدئة إيجاباً على الجبهة اللبنانية.

وأما إذا تعثرت المفاوضات أو تجددت المواجهات المباشرة، فإن لبنان سيكون من بين أول الساحات التي ستتأثر بذلك.

وفي جميع الأحوال، يبدو أن الجبهة اللبنانية تجاوزت منذ زمن طويل كونها نزاعاً حدودياً بين إسرائيل وحزب الله. فهي اليوم تمثل نقطة تقاطع لمجمل الصراعات التي تشهدها المنطقة، من المنافسة الإيرانية الإسرائيلية إلى الحسابات الأميركية، مروراً بتداعيات حرب غزة والتحولات الجارية في سوريا واليمن والعراق.

ولهذا السبب، فإن أي حديث عن استقرار مستدام في لبنان لا يمكن أن ينفصل عن البحث عن تسوية أوسع للنزاعات الإقليمية. فلبنان لم يعد مجرد متلقٍ لتداعيات الحروب، بل أصبح الساحة التي تتقاطع عندها حروب الشرق الأوسط كلها، بما تحمله من تنافس على النفوذ وصراع على الأمن ومحاولات لإعادة رسم ملامح المنطقة في مرحلة شديدة الاضطراب.

ترامب يريد من إسرائيل أن تكون "أكثر دقة" في استهداف حزب الله


خمسة أمور غير مرجحة يجب أن تحدث لكي تصبح الدولة الفلسطينية ممكنة


إيران تبحث مع إسلام آباد مسار استئناف المفاوضات المتعثرة


مصر.. ضبط متهم جديد في قضية صبري نخنوخ ضمن حملة كبرى لاستهداف المتورطين