اخبار الإقليم والعالم

ثلاثة سيناريوهات أممية لما بعد اليونيفيل في لبنان

وكالة أنباء حضرموت

 دخل مستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) مرحلة حاسمة مع اقتراب موعد تجديد تفويضها، في ظل متغيرات أمنية وعسكرية غير مسبوقة شهدتها الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة. فبعد عقود من أداء دور الوسيط الميداني بين لبنان وإسرائيل، تجد البعثة الأممية نفسها اليوم أمام واقع مختلف جذريا عن البيئة التي نشأت فيها مهمتها الأصلية، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة إلى فتح نقاش واسع حول طبيعة الدور المطلوب منها في المرحلة المقبلة.

ولم يعد السؤال المطروح داخل أروقة مجلس الأمن يتعلق فقط بتمديد مهمة اليونيفيل أو تقليصها، بل بات يرتبط بمسألة أكثر جوهرية تتعلق بمدى قدرة نموذج حفظ السلام التقليدي على الاستمرار في منطقة شهدت حربا واسعة النطاق وأعادت رسم الكثير من المعادلات الأمنية والعسكرية على الأرض.

وفي هذا السياق قدم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى أعضاء مجلس الأمن ثلاثة خيارات مختلفة لمستقبل الوجود العسكري الأممي في جنوب لبنان، تتدرج بين الإبقاء على قوة واسعة الانتشار وقادرة على تنفيذ معظم مهامها التقليدية، وبين نموذج أكثر محدودية يعتمد بدرجة أكبر على التكنولوجيا والمراقبة عن بعد.

ويعكس طرح هذه البدائل إدراكا متزايدا داخل الأمم المتحدة بأن التطورات الأخيرة تجاوزت مجرد الخروقات الأمنية العابرة، وأن الجنوب اللبناني دخل مرحلة جديدة تتطلب مراجعة شاملة للأدوات التي اعتمدتها المنظمة الدولية طوال السنوات الماضية للحفاظ على الاستقرار.

واقع جديد بعد الحرب
منذ اندلاع المواجهات الواسعة على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، تعرضت البيئة العملياتية التي تعمل فيها اليونيفيل لتغييرات عميقة. فقد شهدت مناطق واسعة جنوب نهر الليطاني عمليات عسكرية مكثفة، فيما تضررت بنية تحتية مدنية وعسكرية على حد سواء، وتبدلت خرائط الانتشار الميداني بشكل كبير.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن الظروف التي سمحت لليونيفيل بأداء دورها التقليدي منذ صدور القرار 1701 عام 2006 لم تعد قائمة بالكامل، وهو ما دفع غوتيريش إلى التأكيد في رسالته إلى مجلس الأمن على أن الوضع الأمني في لبنان شهد تدهورا ملحوظا خلال الأشهر الماضية، الأمر الذي يفرض إعادة تقييم آليات عمل القوة الدولية وأهدافها المستقبلية.

ورغم ذلك لم يذهب الأمين العام إلى حد اقتراح إنهاء المهمة الأممية، بل شدد على ضرورة الإبقاء على وجود عسكري دولي نظامي لدعم مسار سياسي وأمني طويل الأمد يهدف إلى منع عودة المواجهات وتهيئة الظروف اللازمة لتثبيت الاستقرار على الحدود.

يقوم الخيار الأول على الإبقاء على حضور أممي قوي نسبيا من خلال نشر 350 مراقبا عسكريا غير مسلحين ومدعومين بأربع كتائب مشاة وقوة احتياطية كبيرة.

ويمنح هذا النموذج الأمم المتحدة قدرة واسعة على مراقبة الخط الأزرق والمنطقة الواقعة حتى نهر الليطاني، فضلاً عن الاستمرار في تنفيذ الدوريات الميدانية وجمع المعلومات ورصد الانتهاكات بشكل منتظم.

ويُنظر إلى هذا السيناريو باعتباره الأقرب إلى نموذج اليونيفيل التقليدي، مع تعديلات محدودة تفرضها التطورات الأمنية الجديدة. كما أنه يوفر هامشاً أكبر للتدخل السريع واحتواء الحوادث الحدودية قبل تحولها إلى مواجهات واسعة.

ويرى مؤيدو هذا الخيار أن أي تقليص كبير للقوة الدولية في المرحلة الحالية قد يخلق فراغا أمنيا وسياسيا في منطقة لا تزال تعاني من هشاشة عالية، خصوصا أن اليونيفيل لا تؤدي وظيفة عسكرية فقط، بل تمثل أيضا قناة اتصال دائمة بين الأطراف المختلفة وتسهم في خفض احتمالات سوء التقدير العسكري.

أما الخيار الثاني فيسعى إلى تحقيق توازن بين الحفاظ على وجود أممي مؤثر وبين الاستجابة للضغوط المالية والسياسية التي تواجه عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

التقليص الكبير يدلّ على تراجع ثقة الدول بالمراقبة التقليدية، والإبقاء على قوة واسعة الانتشار يعكس الاقتناع بأن المخاطر مرتفعة

ويعتمد هذا النموذج على عدد أقل من المراقبين العسكريين وقوتي مشاة فقط مع قوة احتياطية محدودة، مع تركيز النشاط العملياتي داخل المنطقة الممتدة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني.

ويقوم هذا السيناريو على تعزيز الاعتماد على نقاط المراقبة الثابتة والدوريات المتحركة المحدودة، بما يسمح باستمرار مهمة الرصد والمتابعة دون تحمل أعباء الانتشار الواسع الذي تتطلبه الصيغة الحالية.

ويبدو هذا الخيار الأكثر قابلية للتوافق داخل مجلس الأمن، لأنه يحافظ على جوهر المهمة الأممية دون الإبقاء على حجم القوة الحالي، كما ينسجم مع التوجه الدولي المتزايد نحو ترشيد نفقات عمليات حفظ السلام المنتشرة في مناطق متعددة من العالم.

حضور رمزي أكثر منه عملياتيّا
في المقابل يمثل الخيار الثالث السيناريو الأكثر تقليصا للوجود الدولي، إذ يقوم على عدد محدود من المراقبين العسكريين وقوتين خفيفتين للمشاة مدعومتين بقوة رد سريع للحماية.

ورغم أن هذا النموذج يسمح باستمرار رفع العلم الأممي في جنوب لبنان، فإنه يقلص بشكل كبير القدرة الفعلية على مراقبة الوضع الميداني أو متابعة الانتهاكات بصورة شاملة.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن هذه الصيغة لن تسمح بتغطية الخط الأزرق بشكل متواصل، كما ستحد من قدرة القوة الدولية على توفير صورة دقيقة وكاملة عن التطورات الأمنية أو لعب دور فعال في الفصل بين الأطراف عند وقوع حوادث ميدانية.

ولهذا السبب يخشى بعض الدبلوماسيين أن يتحول الوجود الأممي في هذه الحالة إلى مجرد حضور رمزي يفتقر إلى الأدوات اللازمة للتأثير في المعادلات الأمنية القائمة.

التكنولوجيا بديلا عن الجنود؟
ومن بين أبرز التحولات التي تكشفها الخيارات المطروحة، الاتجاه المتزايد نحو الاعتماد على التكنولوجيا لتعويض أي تقليص محتمل في أعداد القوات المنتشرة على الأرض.

فالأمم المتحدة تتحدث عن دور أكبر للرادارات والطائرات المسيّرة والمروحيات وأنظمة الاستشعار والصور الفضائية في مراقبة التحركات العسكرية ورصد الانتهاكات.

ويعكس هذا التوجه تحولاً أوسع في فلسفة عمليات حفظ السلام الدولية، حيث باتت الأدوات التقنية تحتل مكانة متقدمة في جمع المعلومات وتقييم المخاطر.

لكن تجربة جنوب لبنان تطرح تساؤلات جدية حول حدود هذا الرهان. فالمراقبة الإلكترونية، رغم أهميتها، لا تستطيع دائما أن تحل محل الحضور البشري المباشر، خصوصا في بيئة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والسياسية والاجتماعية، وتحتاج في الكثير من الأحيان إلى تواصل يومي مع السكان المحليين والسلطات المختلفة.

أبعاد سياسية تتجاوز لبنان
ولا يقتصر النقاش حول مستقبل اليونيفيل على الاعتبارات العسكرية والمالية فحسب، بل يحمل أبعادا سياسية وإقليمية واسعة. فالقوة الدولية شكلت منذ عقود أحد أبرز رموز الالتزام الدولي بالحفاظ على الاستقرار في جنوب لبنان، كما مثل وجودها رسالة سياسية تعكس اهتمام المجتمع الدولي بمنع تحول الحدود اللبنانية – الإسرائيلية إلى ساحة حرب مفتوحة.

ومن هنا، فإن القرار الذي سيتخذه مجلس الأمن خلال الأشهر المقبلة سيُقرأ على نطاق أوسع من مجرد كونه تعديلا فنيا في هيكل بعثة حفظ سلام. فحجم القوة الجديدة وطبيعة مهامها سيعكسان في الوقت ذاته تقييم القوى الكبرى لمستقبل الوضع الأمني في المنطقة ومدى اعتقادها في إمكانية تثبيت وقف إطلاق النار ومنع عودة التصعيد.

كما أن أي تقليص كبير قد يُفسَّر باعتباره مؤشرا على تراجع الثقة الدولية بجدوى آليات المراقبة التقليدية، في حين أن الإبقاء على قوة واسعة الانتشار قد يعكس قناعة بأن مخاطر الانفجار لا تزال مرتفعة وتستدعي استمرار الحضور الأممي المكثف.

ومع اقتراب موعد انتهاء التفويض الحالي، يبدو مجلس الأمن أمام واحد من أكثر القرارات حساسية منذ إنشاء اليونيفيل. فالاختيار بين الإبقاء على قوة كبيرة، أو اعتماد صيغة وسطية، أو الانتقال إلى نموذج محدود يعتمد على التكنولوجيا، لن يحدد فقط مستقبل البعثة الدولية، بل سيؤثر أيضا في طبيعة الترتيبات الأمنية التي ستسود جنوب لبنان خلال السنوات المقبلة.

وفي ظل استمرار هشاشة الوضع الميداني وغياب تسوية سياسية شاملة للنزاع اللبناني – الإسرائيلي، تبدو الحاجة إلى آلية دولية قادرة على المراقبة والوساطة واحتواء التوترات أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. ولذلك فإن النقاش الدائر اليوم داخل الأمم المتحدة لا يتعلق بمستقبل اليونيفيل وحدها، بل بمستقبل منظومة الاستقرار الهشة التي حالت طوال عقود دون انزلاق الحدود الجنوبية للبنان إلى حرب مفتوحة يصعب احتواء تداعياتها على المنطقة بأسرها.

"البحرين توقف 15 شخصا مرتبطين بقضية "عملاء إيران


ماذا يعني فقدان الحوثيين للدعم الإيراني؟


أجراس الهجرة المعاكسة تقرع في إسرائيل


مصرع 21 شخصاً في حريق هائل بفندق في نيودلهي