اخبار الإقليم والعالم
السلام في السودان يحتاج إلى مراقبين أكثر من حاجته إلى اتفاقات جديدة
مع دخول الحرب السودانية عامها الرابع، تتزايد الدعوات الدولية لإحياء مسار سياسي يفضي إلى وقف إطلاق النار بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. لكن وسط تراكم المبادرات والوساطات التي لم تنجح حتى الآن في إنهاء النزاع، يبرز سؤال أكثر إلحاحا: هل يحتاج السودان إلى اتفاقات جديدة أم إلى آليات تضمن تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه؟.
وخلال السنوات الماضية، لم يكن النقص في المبادرات السياسية هو المشكلة الرئيسية. فقد شهدت الأزمة السودانية سلسلة طويلة من محاولات الوساطة الإقليمية والدولية، شملت محادثات في جدة والقاهرة وأديس أبابا وغيرها، فضلا عن تحركات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وشركاء دوليين متعددين. إلا أن معظم هذه الجهود اصطدمت بعقبة واحدة تكررت باستمرار، وهي انهيار الاتفاقات أو عدم الالتزام بها بعد توقيعها.
ومن هنا تكتسب المبادرة التي تقودها المجموعة الرباعية، المكونة من الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة، أهمية خاصة. فالمبادرة لا تركز فقط على التوصل إلى وقف إطلاق نار شامل، بل تطرح أيضا قضية مراقبة تنفيذ الاتفاق باعتبارها شرطا أساسيا لاستدامته.
وتستند هذه المقاربة إلى حقيقة باتت واضحة لكثير من الوسطاء والخبراء، وهي أن الثقة بين الأطراف المتحاربة تكاد تكون معدومة. فكل طرف ينظر إلى الآخر باعتباره يسعى إلى استغلال أي هدنة لإعادة التموضع وتحسين مواقعه العسكرية استعدادا لجولة جديدة من القتال.
ويزداد هذا الوضع تعقيدا بسبب الطبيعة المتشعبة للصراع السوداني. فالقوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لا تسيطران بشكل كامل على جميع المجموعات المسلحة المتحالفة معهما، كما أن بعض القادة الميدانيين يمتلكون هامشا واسعا من الاستقلالية في اتخاذ القرار.
ولذلك فإن توقيع القيادات السياسية أو العسكرية العليا على أي اتفاق لا يعني بالضرورة التزام جميع الوحدات المنتشرة على الأرض بتنفيذه.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح آليات التحقق والمراقبة أكثر أهمية من نصوص الاتفاق نفسها. فالمشكلة ليست في صياغة البنود أو التوصل إلى تفاهمات، بل في ضمان احترامها بعد دخولها حيز التنفيذ.
ويستشهد كثير من الخبراء بتجربة السودان نفسه في هذا المجال. ففي عام 2002 تم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في جبال النوبة بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان.
ورغم هشاشة الوضع آنذاك، نجحت بعثة المراقبة المشتركة في الحفاظ على الهدنة لعدة سنوات حتى توقيع اتفاق السلام الشامل.
واعتمدت تلك التجربة على وجود مراقبين دوليين وسودانيين ميدانيين يعملون بشكل مشترك، ويتحققون بصورة مباشرة من الالتزام ببنود الاتفاق، ويحققون في أي انتهاكات محتملة، ويقدمون تقارير شفافة للأطراف المعنية.
وكان العنصر الحاسم في نجاح هذه التجربة أن المراقبين كانوا موجودين على الأرض، وليسوا مجرد فرق تتابع التطورات عن بعد. فوجودهم الميداني وفر قدرا من الطمأنينة لكل طرف بأن خصمه لا يستغل الهدنة لتحقيق مكاسب عسكرية سرية.
آليات التحقق والمراقبة أكثر أهمية من نصوص الاتفاق نفسها. فالمشكلة ليست في صياغة البنود أو التوصل إلى تفاهمات، بل في ضمان احترامها بعد دخولها حيز التنفيذ.
واليوم، يرى كثيرون أن السودان يحتاج إلى استنساخ نسخة حديثة من هذه التجربة. فالأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة يمكن أن توفر معلومات مهمة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل المراقب الموجود ميدانيا والقادر على التواصل مع السكان المحليين والقادة العسكريين والتحقق من الوقائع بصورة مباشرة.
وبحسب التصورات المطروحة حاليا، فإن أي وقف لإطلاق النار سيتطلب بقاء القوات في مواقعها الحالية مع وقف العمليات الهجومية واعتماد وضع دفاعي فقط. كما قد يشمل إنشاء مناطق منزوعة السلاح وممرات إنسانية في مدن تشهد معارك عنيفة مثل الفاشر.
لكن تنفيذ مثل هذه الترتيبات يتطلب جهة محايدة تستطيع التحقق من انسحاب القوات من المواقع المتفق عليها، ومراقبة تحركاتها، والتأكد من عدم وقوع انتهاكات تهدد بانهيار الاتفاق.
كما أن وجود آلية مراقبة مستقلة يمكن أن يسهم في الحد من الحرب الإعلامية المتبادلة. فكثيرا ما يتهم كل طرف خصمه بخرق الهدنة دون وجود جهة محايدة قادرة على التحقق من صحة هذه الاتهامات. وفي ظل غياب مرجعية موثوقة، تتحول الاتهامات المتبادلة إلى مبرر لاستئناف القتال.
ولا تقتصر أهمية المراقبة على الجوانب العسكرية فقط، بل تمتد أيضا إلى البعد الإنساني. فنجاح أي هدنة مرتبط بقدرتها على تسهيل وصول المساعدات إلى ملايين المدنيين الذين يعانون من النزوح والجوع وانهيار الخدمات الأساسية.
ويمكن لبعثة مراقبة فعالة أن تساهم في تأمين الممرات الإنسانية وضمان احترام التفاهمات المتعلقة بإيصال الغذاء والدواء إلى المناطق المتضررة، وهو ما يمنح السكان فوائد ملموسة من عملية السلام ويعزز فرص استمرارها.
ومع ذلك، فإن إنشاء مثل هذه الآلية لن يكون مهمة سهلة. فالأطراف المتحاربة قد تتحفظ على بعض تفاصيلها، كما أن نجاحها يتطلب دعما سياسيا قويا من القوى الدولية والإقليمية الراعية للمفاوضات.
لكن التجارب السابقة تشير إلى أن تكلفة بعثة مراقبة محدودة تبقى أقل بكثير من تكلفة استمرار الحرب أو انهيار اتفاقات السلام بعد توقيعها. كما أن وجود مراقبين مستقلين قد يوفر الحد الأدنى من الثقة الضروري لانتقال الأطراف من مرحلة المواجهة العسكرية إلى مرحلة التفاوض السياسي.
وفي النهاية، لا يبدو أن السودان يعاني اليوم من نقص في المبادرات أو المقترحات السياسية. فالأفكار المطروحة كثيرة، والوسطاء حاضرون، والضغوط الدولية مستمرة. لكن ما ينقص عملية السلام هو وجود آلية موثوقة تضمن تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه وتمنع الانتهاكات من تقويض أي فرصة للتسوية.
ولهذا السبب، قد يكون نجاح أي هدنة مقبلة مرتبطا بعدد المراقبين الموجودين على الأرض أكثر من عدد الاتفاقات التي يتم توقيعها في قاعات التفاوض.
وفي السودان، كما في كثير من النزاعات المعقدة، لا يصنع السلام التوقيع على الاتفاق وحده، بل القدرة على مراقبة تنفيذه يوما بعد يوم.