تقارير وحوارات
قبل أن تتحول إيران إلى جوانتانامو
قبل أن تتحول إيران إلى جوانتانامو
قبل أن تتحول إيران إلى جوانتانامو
- بقلم سحر الجعارة کاتب وصحفي
بينما يحتفل العالم الإسلامي بعيد الأضحى وأداء مناسك الحج، لدينا مسلمون يتنقلون ما بين غرف الإعدام والسجون، وبينما يئن الشعب الإيراني تحت وطأة النظام الحديدي للملالي والحرس الثوري الإيراني، نجد من يصفق لهذا النظام القمعي لأنه قصف إسرائيل، بينما الحقيقة أن أكثر الدول تضرراً من الحرب الهمجية كانت دول الخليج وعلى رأسها «الإمارات»!!
البعض يلومنا للاهتمام والحساسية المفرطة تجاه الحريات من الملبس إلى حرية الفكر والتعبير وحرية العقيدة، ويختزل القضية في معاداة الحجاب، والأمر ليس كذلك على الإطلاق، نحن ننظر فيمن يقف خلف عملية التحجيب، إن كانت جماعة إرهابية أم قمعاً أسرياً أم أنها «إرادة منفردة وحرة» للبنت.. وقد ثبت للجميع أن الإخوان هم من أدخلوا الحجاب لمصر وجعلوه رمزاً سياسياً لهم.. أستثني من ذلك كل من اخترنه طواعية.. فقط أنظر إلى ما حدث 2022 في طهران: اندلعت المظاهرات عقب وفاة الشابة «مهسا أميني» الإيرانية، 22 سنة، وكانت قد دخلت في غيبوبة جرّاء الضرب المبرح من «شرطة الأخلاق» بحجة ارتدائها «حجاباً غير لائق»، (بحسب تصريح عائلتها للعربية نت).
يشار إلى أن العديد من الحملات النسائية نُظمت في إيران ضد فرض الحجاب الإجباري، وطريقة اللباس على النساء على مدى السنوات الماضية.. خاصة بعدما صدور مرسوم يفرض التشدد في لباس النساء، وهو المرسوم الذي صدر إثر إعلان «يوم الحجاب والعفة» الوطني، الذي شهد مظاهرات واسعة تنادي بالتمرد وخلع الحجاب!
وبعد الحرب الإيرانية - الأمريكية لم تعد ملابس المرأة هي السبب الوحيد للاضطهاد (أو لإخفاء السبب الحقيقي)، فارتفع عدد السجناء الذين أُعدموا بتهم سياسية وأمنية في إيران خلال الأيام الماضية، منذ 17 مارس (آذار) 2026، إلى ما لا يقل عن 38 شخصاً.
ويأتي ذلك في وقت كان فيه موقع «هرانا» الحقوقي قد أفاد سابقاً بأن إيران أعدمت خلال عام 2025 بأكمله ما لا يقل عن 52 سجيناً بتهم سياسية وأمنية.. وبالقطع كانت المرأة في مقدمة الرؤوس الطائرة، وقد أعدمت السلطات الإيرانية امرأة تبلغ 28 سنة كانت قد أنجبت طفلاً أثناء احتجازها، بعد إدانتها بقتل زوجها، وفق ما أعلنت منظمتان حقوقيتان.
وأفادت منظمتا «إيران لحقوق الإنسان» (IHR) و«هينغاو» الحقوقيتان، ومقرهما النرويج، ضمن بيانين منفصلين بأن أسماء زارعي أُعدمت شنقاً في أردبيل شمال غربي إيران في الـ20 من مايو (أيار) الجاري.
وتكشف شهادات السجينتين السياسيتين السابقتين حميرا حسامي وشيرين نريمان جانباً مروّعاً من واقع السجون السياسية في إيران، حيث تتحول الزنازين إلى أدوات منظمة لتحطيم الإنسان، وتصبح الاعتقالات التعسفية والتعذيب والإعدامات جزءاً من منظومة حكم قائمة على الخوف والقمع. فقد اعتُقلت كلتاهما في سن المراهقة بسبب نشاطهما المؤيد للحرية والديمقراطية، قبل أن تعيشا تجربة قاسية داخل سجون نظام ولاية الفقيه، لا تزال آثارها النفسية والإنسانية حاضرة حتى اليوم. وتؤكد شهادتاهما أن ما يجري داخل السجون الإيرانية ليس مجرد انتهاكات فردية أو ممارسات معزولة، بل سياسة ممنهجة تستهدف سحق أي وعي ديمقراطي، وخصوصاً بين الشباب والنساء، ومنع تشكل قوة اجتماعية قادرة على تحدي النظام. ومن الاعتقال المفاجئ إلى الحبس الانفرادي، ومن التعذيب النفسي والجسدي إلى الإعدامات الجماعية، تتكرر الصورة نفسها: نظام يخشى المجتمع، فيحاول إخضاعه عبر السجن والمشنقة.
اعتُقلت حميرا حسامي وهي في السادسة عشرة من عمرها، بسبب معتقداتها السياسية وانخراطها في مجموعات طلابية داعمة لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية. وجدت نفسها فجأة داخل سجن إيفين، أحد أكثر السجون شهرة في سجل القمع الإيراني، حيث يبدأ العذاب منذ اللحظة الأولى للاعتقال: لا تهمة واضحة، لا حماية قانونية، ولا قدرة للضحية على معرفة مصيره. وتشير تجربتها إلى أن النظام يستهدف الشباب والمراهقين بصورة خاصة، لأنه يرى في وعيهم السياسي المبكر خطراً على استمراره. فالاستجواب الفوري، والعزل القسري، والحبس الانفرادي ليست مجرد أدوات تحقيق، بل وسائل لكسر الإرادة وسحق الشخصية قبل أن تتحول إلى قوة رفض ومقاومة.
أما شيرين نريمان، فقد اعتُقلت وهي في الخامسة عشرة من عمرها، بسبب نشاطات داعمة للحرية والديمقراطية. وتكشف شهادتها عن أشكال قاسية من التعذيب الجسدي والنفسي.
الشعب الإيراني لا يناضل من أجل استبدال ديكتاتورية بأخرى، ولا يسعى إلى العودة إلى الماضي. فالمطلب الحقيقي ليس تغيير الوجوه، بل تغيير البنية الاستبدادية نفسها، وبناء جمهورية ديمقراطية تقوم على الحرية، والمساواة، وسيادة الشعب، واحترام حقوق الإنسان.
هذه الشهادات تظهر أيضاً أن خوف النظام الأكبر ليس من الغضب الشعبي وحده، بل من ارتباط هذا الغضب بقوة منظمة تمتلك مشروعاً سياسياً واضحاً. ولهذا يستهدف النظام منظمة «مجاهدي خلق» الإيرانية والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بشراسة متواصلة، لأنه يدرك أن وجود مقاومة منظمة يحرم الديكتاتورية من احتكار المستقبل.
وتطرح المقاومة الإيرانية، بقيادة السيدة «مريم رجوي»، رؤية سياسية واضحة من خلال عدة نقاط، تدعو إلى إلغاء عقوبة الإعدام، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة الكاملة بين النساء والرجال، وإقامة إيران غير نووية، ديمقراطية، تعيش بسلام مع شعوب المنطقة والعالم.
فهل لا يزال للمجتمع الدولي دور في إنقاذ الشعب الإيراني؟.. وهل أنقذت الحرب نظام الحكم هناك من السقوط أم خلخلته؟ وكيف يمكن تغيير النظام واستبداله بمعارضة منظمة من الداخل أو الخارج؟؟.. نحن نسأل والإعدامات مستمرة هناك فلا صوت يعلو على صوت الملالي.