اخبار الإقليم والعالم
حراك سوداني في نيروبي: قادة أحزاب وحركات يبحثون بناء وطن جديد
تنطلق في العاصمة الكينية نيروبي، غدا الجمعة، اجتماعات القوى الموقعة على "إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد"، وسط ترقب شديد لهذه الاجتماعات وما ستسفر عنه، بالنظر لطبيعة وحجم المشاركة التي تجمع تحت سقف واحد رؤساء أحزاب سياسية، وقيادات مدنية، وشخصيات عامة، إلى جانب قادة حركات مسلحة بارزة.
وبحسب وسائل إعلام محلية، فقد وصل إلى نيروبي، الأربعاء، عدد من أبرز القيادات السياسية والمدنية للمشاركة في الاجتماعات، بينهم رئيس تحالف "صمود" عبدالله حمدوك، ورئيس حركة تحرير السودان عبدالواحد محمد نور، ورئيس المكتب التنفيذي للتجمع الاتحادي بابكر فيصل، ورئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير، ورئيس حزب البعث العربي الاشتراكي الأصل علي الريح السنهوري، والأمين العام لحزب الأمة القومي الواثق البرير، إلى جانب رئيس الحركة الشعبية شمال – التيار الثوري الديمقراطي ياسر عرمان.
ويأتي هذا الحراك في توقيت بالغ التعقيد والحساسية بالنسبة للأزمة السودانية التي دخلت عامها الرابع دون أفق لنهايتها، ويسعى المشاركون في اجتماعات نيروبي إلى صياغة رؤية وطنية موحدة تتجاوز الاصطفافات التقليدية وتؤسس لمرحلة جديدة قادرة على الدفع باتجاه إنهاء الأزمة المستمرة.
ويهدف هذا التجمع إلى كسر حالة الجمود السياسي السائدة والبحث عن قواسم مشتركة يمكن البناء عليها لوقف نزيف الحرب وإعادة المسار المدني الديمقراطي إلى واجهة المشهد بعد سنوات من التمزق.
وتكتسب هذه الاجتماعات ثقلا سياسيا استثنائيا بالنظر إلى التنوع في بنية الوفود المشاركة، إذ يمثل هذا التقارب بين النخب المدنية والقوى المسلحة خطوة متقدمة نحو ردم الفجوة التاريخية بين المسارين السياسي والعسكري، وهو ما كان يشكل دائماً معضلة بنيوية أمام صياغة المشهد السوداني واستقراره.
وتحاول القوى الموقعة على الإعلان من خلال منبر نيروبي تقديم بديل سياسي متكامل يرتكز على مبادئ المواطنة المتساوية، والعدالة الانتقالية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية تضمن استقرار البلاد على المدى الطويل. ويتجاوز الطموح في هذه المباحثات مجرد التوصل إلى اتفاقيات مؤقتة لوقف إطلاق النار، بل يمتد إلى مناقشة الجذور العميقة للأزمة السودانية، بما في ذلك قضايا التنمية المتوازنة وتوزيع الثروة والسلطة وتأسيس جيش وطني مهني موحد.
يأتي هذا الحراك في توقيت بالغ التعقيد والحساسية بالنسبة للأزمة السودانية التي دخلت عامها الرابع دون أفق لنهايتها.
ويعكس اختيار العاصمة الكينية لاستضافة هذا الحدث استمرار نيروبي في أداء دور محوري كمنصة للوساطة وتقريب وجهات النظر بين الفرقاء السودانيين، وهو دور يلقى دعما وتنسيقا من أطراف دولية وإقليمية تسعى جاهدة لوقف التدهور الإنساني والسياسي في السودان ومنع انزلاق المنطقة بأكملها نحو الفوضى.
ويقول متابعون إن احتضان كينيا لهذه القوى يمنح التحرك غطاء دبلوماسيا أفريقيا مهما، مما يعزز من فرص تبني مخرجاته على مستويات أعلى داخل الاتحاد الأفريقي والمنظمات الدولية.
ويرى المتابعون أن نجاح هذه الاجتماعات سيرتبط بشكل وثيق بمدى قدرة الأطراف المشاركة على ترجمة شعار "بناء وطن جديد" إلى خارطة طريق عملية قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، وتجاوز العقبات الإجرائية والحسابات السياسية الضيقة لصالح التوافق على القضايا السيادية والجوهرية.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه المشاركين لا يقتصر فقط على صياغة المواثيق والنصوص، بل يكمن في كيفية تسويق هذه المخرجات وتوسيع قاعدة الالتفاف الشعبي والسياسي حولها، لا سيما في ظل التعقيدات الميدانية البالغة واستمرار العمليات العسكرية على الأرض. فالشارع السوداني الذي يعاني من ويلات النزوح واللجوء والظروف الاقتصادية الطاحنة، ينظر إلى هذه التحركات بعين الأمل المشوب بالحذر، ويتطلع إلى نتائج ملموسة تنعكس مباشرة على أمنه اليومي ومعيشته.
ومن هنا، يصبح لزاما على القوى المجتمعة إيجاد آليات تواصل فعالة مع الداخل السوداني تضمن إشراك القوى الحية والشبابية والفاعلين المحليين بما يعزز من صلابة هذه الجبهة.
وتفرض الطبيعة المركبة للمشاركين في اجتماعات نيروبي اختباراً حقيقياً لمدى تماسك الجبهة المدنية والمسلحة الموقعة على إعلان المبادئ. فالتناقضات السابقة والتباينات في الرؤى بين الأحزاب السياسية العريقة والحركات المسلحة التي خاضت حروبا في أطراف السودان عقوداً طويلة، تتطلب مرونة سياسية فائقة وقدرة على تقديم التنازلات المتبادلة.
ويعد الوعي السائد لدى المشاركين بضرورة تجاوز أخطاء الفترات السابقة دافعا أساسياً للتركيز على القضايا التي تجمع بدلاً من تلك التي تفرق، والاعتراف بأن السعي نحو الاستئثار بالسلطة قد أفضى بالبلاد إلى حافة الانهيار الشامل الذي يتطلب تضافر جهود الجميع دون إقصاء لأي مكون وطني يؤمن بالتحول الديمقراطي السلمي.
ويبعث عقد هذه الاجتماعات بهذا التمثيل الواسع وفوق منصة إقليمية بارزة، برسالة قوية لا لبس فيها إلى المجتمع الدولي وإلى طرفي الصراع (الجيش والدعم السريع)، مفادها أن الحل السياسي الشامل القائم على الشراكة يظل هو المسار الوحيد والأكثر واقعية لإنقاذ الدولة السودانية من شباك التمزق ورسم معالم مستقبلها.
إن مخرجات منبر نيروبي قد تشكل النواة الأساسية لعملية سياسية شاملة ترعاها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، مما يضع المجتمعين أمام مسؤولية تاريخية لصياغة مشروع وطني جامع ينقل السودان من دولة النزاعات المزمنة إلى فضاء الاستقرار.
ووقعت قوى سياسية ومدنية وحركات مسلحة، في 16 ديسمبر الماضي بالعاصمة الكينية نيروبي، على وثيقة حملت اسم "إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد"، في خطوة وُصفتها وسائل الإعلام السودانية بأنها أول تقارب يجمع غالبية القوى المناهضة للحرب.