اخبار الإقليم والعالم
مناورات في شرق ليبيا وغربها.. رسائل البنادق تسابق جهود التوحيد
أعاد أزيز الرصاص وزخات المدافع في المناورات العسكرية المتزامنة بين طرفي المؤسسة العسكرية في ليبيا فتح باب التساؤلات بشأن مستقبل جهود توحيد الجيش الليبي.
وعكست رسائل القوة المتبادلة على ما يبدو بين فرقاء البلد العربي الأفريقي الغني بالنفط سباقًا مبكرًا لفرض النفوذ قبل أي تسوية سياسية محتملة.
فبينما حاولت التدريبات العسكرية الدولية التي احتضنتها مدينة سرت رسم صورة رمزية لتقارب الفرقاء الليبيين تحت مظلة دولية تقودها الولايات المتحدة والأمم المتحدة، جاءت التحركات العسكرية المنفصلة في الشرق والغرب لتكشف أن الحسابات المحلية لا تزال محكومة بمنطق تثبيت موازين القوة وإرسال إشارات سياسية وعسكرية متعددة الاتجاهات.
سرت تجمع الخصوم
وخلال الأسابيع الأخيرة، تسارعت التحركات الدولية الرامية إلى كسر حالة الجمود العسكري في ليبيا بعدما احتضنت مدينة سرت فعاليات التمرين العسكري المشترك «فلينتلوك 2026»، أحد أكبر المناورات العسكرية متعددة الجنسيات في القارة الأفريقية بإشراف القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم».
وحملت النسخة الحالية من المناورات دلالات سياسية لافتة مع ظهور شخصيات عسكرية تمثل طرفي الانقسام الليبي في مشهد واحد، أبرزهم صدام حفتر نائب القائد العام للجيش الليبي في الشرق، وعبد السلام الزوبي وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية في الغرب.
كما شاركت وحدات عسكرية من شرق البلاد وغربها ضمن تدريبات مشتركة هدفت، وفق القائمين عليها، إلى رفع الجاهزية وتعزيز التنسيق الأمني في ملفات مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود والهجرة غير الشرعية.
وبالنسبة لكثير من الليبيين، بدا المشهد وكأنه محاولة عملية لرأب الصدع العسكري المستمر منذ أكثر من عقد، خاصة أن مدينة سرت تحولت خلال السنوات الماضية إلى نقطة تماس جغرافية وسياسية بين الشرق والغرب
رسائل القوة على الأرض
لكن صورة التقارب التي حملتها تدريبات «فلينتلوك 2026» لم تمنع استمرار استعراض القوة داخليًا، حيث شهد الميدان الليبي بالتزامن تقريبًا مناورات منفصلة حملت رسائل واضحة بشأن الجاهزية والنفوذ.
ففي الشرق الليبي، نظمت القيادة العامة مناورة عسكرية في 16 مايو الجاري تحت اسم «درع الكرامة 2»، شملت تفقد مواقع تمركز «الفرقة 309» والوحدات المشاركة في إطار التأكيد على الجاهزية العسكرية والقدرة على تنفيذ المهام القتالية المختلفة.
وفي المقابل، نفذت الكتيبة 313 التابعة لرئاسة الأركان العامة في غرب ليبيا مشروع رماية فنية مكثفًا باستخدام المدفعية الثقيلة ضمن خطة رفع كفاءة وحدات المنطقة العسكرية الوسطى.
واستمرت التدريبات من 3 إلى 13 مايو/أيار 2026، وشملت استخدام سرايا المدفعية عيار 122 و130 إضافة إلى قاذفات الصواريخ في إطار تطوير الجاهزية العملياتية والفنية.
ويرى متابعون أن هذا التزامن بين المناورات العسكرية المنفصلة لم يكن محض صدفة، بل يعكس رغبة كل طرف في تثبيت حضوره الميداني وإرسال رسائل مباشرة للخارج قبل الداخل، مفادها أن أي تسوية سياسية أو أمنية لا يمكن أن تتجاوز القوى المسيطرة فعليًا على الأرض.
المشهد الليبي يقف اليوم عند نقطة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الرغبة الدولية في خلق حد أدنى من التنسيق الأمني والعسكري مع سعي الأطراف المحلية إلى الحفاظ على موازين القوة وعدم التفريط في أوراق النفوذ.
ورغم أن تدريبات فلينتلوك 2026 حملت رسائل تهدئة وتقارب، فإن استمرار المناورات المنفصلة في الشرق والغرب يكشف أن الطريق نحو جيش موحد لا يزال طويلًا ومعقدًا، وأن رسائل البنادق لا تزال حتى الآن تسبق قطار التوحيد السياسي والعسكري.
تقارب عملياتي لا توحيد فعلي
وفي قراءة للمشهد العسكري الليبي، يرى مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية أشرف بوفردة أن ما يحدث حاليًا لا يمثل توحيدًا حقيقيًا للمؤسسة العسكرية بقدر ما يعكس «تقاربًا عملياتيًا» مؤقتًا تحكمه اعتبارات دولية وأمريكية بالأساس.
وقال بوفردة في تصريح لـ«العين الإخبارية» إن «الانقسام السياسي والمناطقي والجهوي المستمر منذ عام 2014 أنتج واقعيًا شبه مؤسستين عسكريتين تفتقران إلى التراتبية الموحدة والعقيدة العسكرية المشتركة، رغم ادعاء كل طرف اكتماله».
وأضاف أن «ما يجري يعكس توجهًا أمريكيًا مباشرًا تسارع مع حلول عام 2026 ضمن مسارات أممية تهدف إلى تشكيل غرف عمليات مشتركة لإدارة ملفات أمنية محددة تهم واشنطن، مثل مكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي وتأمين الحدود الجنوبية ومحاربة الجريمة العابرة للحدود والهجرة غير الشرعية».
وأوضح أن «المحرك الأساسي للمقاربة الأمريكية الحالية يحمل بعدًا اقتصاديًا واستراتيجيًا وثيق الصلة بملف الطاقة»، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة أبرمت مؤخرًا عقودًا ضخمة تتجاوز قيمتها 45 مليار دولار لصالح شركات نفطية أمريكية كبرى في مجالات الحفر والاستكشاف وإعادة الإنتاج، مما يدفع واشنطن للبحث عن قوة ميدانية فاعلة تحمي هذه الاستثمارات.
وأشار بوفردة إلى أن واشنطن لا تركز علنًا على شعار «توحيد الجيش» بسبب إدراكها لعمق الأزمات البنيوية داخل المؤسسة العسكرية الليبية، بل تسعى إلى صياغة معادلة واقعية قائمة على وجود قوتين فاعلتين في الشرق والغرب يمكن التنسيق بينهما في الملفات ذات الأولوية.
وتابع أن «هذا التوجه أفرز قنوات اتصال مباشرة مع شخصيتين هما صدام حفتر ممثلاً للشرق، وعبد السلام الزوبي ممثلاً لحكومة الوحدة».
واختتم بوفردة قراءته للمشهد بالتأكيد على أن المناورات المنفصلة الحالية في الشرق والغرب تمثل استعراضات لإثبات الوجود وبعث رسائل للخارج قبل الداخل، مفادها أن كل طرف يسعى لتأكيد أنه الرقم الصعب والممثل الحقيقي على الأرض، وأن أي تعامل دولي يجب أن يمر عبره في إطار صناعة مشهد تفرضه حسابات النفوذ قبل أي تسوية سياسية مرتقبة.
بين الجاهزية وبناء الدولة
ومن جانبه، اعتبر الباحث الليبي في شؤون الأمن القومي فيصل بوالرايقة أن المناورات العسكرية المتزامنة تعكس حالة من الجاهزية ورسائل القوة، لكنها لا تعني بالضرورة نسف مسار توحيد المؤسسة العسكرية.
وقال بوالرايقة في تصريحات لـ«العين الإخبارية» إن «القيادة العامة للجيش الوطني الليبي تمثل ركنًا أساسيًا في أي نقاش جاد حول بناء جيش ليبي موحد».
وأضاف أن «ما بعد تدريبات سرت برعاية أفريكوم يتطلب عدم التقليل من أي طرف، والعمل على تحويل هذه الجاهزية إلى مسار وطني منضبط يقوم على جيش واحد وعقيدة واحدة وقرار عسكري يخدم سيادة ليبيا واستقرارها».
واختتم الباحث الليبي بالقول إن «التحدي الحقيقي ليس في قدرة الجيش على المناورة، بل في قدرة الليبيين على تحويل القوة العسكرية إلى مؤسسة دولة».
عقبات بنيوية وارتباط بالمسار السياسي
وفي سياق متصل، يرى المحلل العسكري الليبي محمد السنوسي أن الحديث عن توحيد المؤسسة العسكرية الليبية يواجه جملة من التحديات العميقة المرتبطة بالانقسام العمودي والمؤسساتي الذي طال كافة المفاصل السيادية في الدولة.
وأوضح السنوسي في تصريح خاص لـ"العين الإخبارية" أن "الأمر يتجاوز مجرد فكرة (التوحيد)، إذ يرى بعض الفاعلين أن المؤسسة العسكرية بحاجة فعلية إلى إعادة تأسيس وبناء جذري نظراً لافتقارها حالياً بمفهومها الاحترافي الواضح إلى عقيدة عسكرية موحدة وسلسلة قيادة وسيطرة واضحة وهيكل بنيوي متفق عليه".
وأشار السنوسي إلى وجود تباين بنيوي كبير بين النظامين العسكريين في البلاد، فبينما تعتمد المنطقة الشرقية على مدرسة ومفهوم القيادة العامة للقوات المسلحة، يرتكز الغرب الليبي على منهجية "رئاسة الأركان العامة" التابعة للقائد الأعلى، لافتًا إلى أن وزير الدفاع في الغرب يتمتع بصلاحيات تنفيذية وعملياتية أوسع وواقعية، في حين يقتصر دور وزير الدفاع في الشرق على مهام مراسمية بحتة، وهو ما يعكس اختلافًا جوهريًا في بنية المؤسستين.
وتساءل السنوسي: "من سيكون القائد الأعلى للجيش في نهاية المطاف؟ ولأوامر مَن ستأتمر هذه المؤسسة؟" مؤكدًا أنه في حال حصول توافق سياسي على تسمية قائد أعلى فإن توحيد الجيش سيكون تحصيل حاصل، وبدون ذلك سيبقى الملف معقدًا وعالقًا.
ونبّه السنوسي إلى أن الصعوبات الحالية دفعت بعض الأطراف المحلية والإقليمية والدولية للذهاب نحو صياغة مقاربات بديلة قد تشكل نواة مستقبلية للتوحيد، مجملاً إياها في تأسيس غرف مشتركة تُعنى بإدارة وتأمين الحدود والمنافذ كمستوى أولي للتنسيق العسكري المتبادل، واللامركزية الإدارية عبر تقسيم البلاد إلى مجموعة من المناطق العسكرية التي تتمتع بهامش من اللامركزية لمباشرة مهامها بطريقة أكثر مرونة.
كما طرح السنوسي فكرة المجلس العسكري بتشكيل مجلس عسكري مشترك يضم عدة شخصيات عسكرية بدلاً من الاستئثار الفردي بالقرار، بحيث يتم تسميتهم من قِبل القوى الفاعلة على الأرض.