اخبار الإقليم والعالم
حركة فتح تستعد لعقد مؤتمرها الثامن: اختبار لإمكانية تجديد القيادة والرؤية
تستعد حركة فتح بزعامة الرئيس الفلسطيني محمود عباس لعقد مؤتمرها الثامن في مدينة رام الله، في خطوة تأتي بعد نحو عشر سنوات على انعقاد مؤتمرها السابع، وفي لحظة سياسية تُوصف بأنها من الأكثر تعقيداً منذ تأسيس الحركة، بفعل الحرب على قطاع غزة وتداعياتها، وتصاعد الضغوط الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس، إلى جانب التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة التي تعيد تشكيل البيئة السياسية الفلسطينية.
ويُنظر إلى انعقاد المؤتمر، الذي يُفترض أن يتناول قضايا تنظيمية وسياسية في آن واحد، بوصفه اختبارا حقيقيا لقدرة الحركة التي تقود السلطة الفلسطينية على إعادة إنتاج نفسها في سياق إقليمي مضطرب، تتداخل فيه نتائج الحرب في غزة مع استمرار الاستيطان والاعتقالات والتصعيد العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية، ما يضع الحركة أمام تحديات تتجاوز البنية الداخلية إلى جوهر دورها السياسي.
ويأتي المؤتمر في وقت تواجه فيه الساحة الفلسطينية تداعيات حرب واسعة على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، خلّفت وفق معطيات فلسطينية عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، وأدت إلى دمار واسع طال غالبية البنية التحتية المدنية، في حين تقدر الأمم المتحدة كلفة إعادة الإعمار بعشرات المليارات من الدولارات، وهو ما يضيف عبئا إضافيا على النظام السياسي الفلسطيني برمته، بما فيه حركة فتح وموقعها القيادي.
في ظل الانقسام الفلسطيني، تزداد تعقيدات المشهد أمام المؤتمر، إذ تظل مسألة المصالحة الداخلية خارج إطار الاختراقات الحقيقية، وفق تقديرات سياسية
وفي الضفة الغربية، لا يقل المشهد تعقيدا، إذ يستمر التصعيد الإسرائيلي عبر العمليات العسكرية والاعتقالات وهدم المنازل وتوسيع الاستيطان، ما عمّق حالة الاحتقان السياسي وأضعف هامش الحركة أمام السلطة الفلسطينية، وألقى بظلاله على قدرة فتح على تقديم استجابة سياسية فعّالة تتناسب مع حجم التحولات الجارية.
وأمام هذا الواقع، يكتسب مؤتمر فتح الثامن أهمية تتجاوز الإطار التنظيمي التقليدي، ليصبح محطة مفصلية لقياس مدى قدرة الحركة على تجديد خطابها السياسي وإعادة صياغة أدواتها القيادية، في ظل تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان المؤتمر سيقود إلى مراجعة حقيقية في النهج السياسي، أم سيقتصر على إعادة ترتيب البنية التنظيمية دون تغيير جوهري في المسار العام.
ويرى عدد من الأكاديميين أن انعقاد المؤتمر يأتي في سياق يتطلب “مراجعات عميقة” داخل الحركة، إلا أن المؤشرات الأولية لا تعكس وجود تحول جذري مرتقب. فوفق قراءات أكاديمية، فإن التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية تفرض على حركة بحجم فتح تقديم رؤى سياسية جديدة قادرة على التعامل مع المتغيرات في غزة والضفة، إلا أن غياب نقاشات إستراتيجية معمقة داخل الأطر التحضيرية قد يحد من سقف التوقعات.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال رئيسي حول مدى قدرة المؤتمر على إحداث تجديد فعلي في القيادة، سواء عبر إدخال وجوه جديدة أو إعادة توزيع مراكز النفوذ داخل اللجنة المركزية.
وتشير تقديرات إلى أن التغيير، إن حدث، قد يبقى محدودا، دون أن يصل إلى مستوى التحول النوعي في بنية الحركة.
ويرى محللون أن أحد أبرز التحديات التي تواجه المؤتمر يتمثل في العلاقة بين التجديد التنظيمي وإعادة صياغة المشروع السياسي للحركة. فبينما يُتوقع أن يشهد المؤتمر بعض التعديلات في البنية القيادية، إلا أن الرؤية السياسية العامة، وعلى رأسها خيار حل الدولتين، تبدو ثابتة دون مراجعة جوهرية، ما يثير تساؤلات حول قدرة الحركة على التكيف مع واقع ميداني وسياسي شديد التغير.
وفي المقابل، لا يستبعد بعض المراقبين أن يفتح المؤتمر الباب أمام تجديد نسبي داخل بعض المواقع القيادية، قد يصل إلى نسب ملحوظة في عضوية اللجنة المركزية، مع احتمال تعزيز تمثيل بعض الفئات، بما فيها النساء والقيادات الشابة، إلا أن هذا التجديد يبقى، وفق هذه القراءات، ضمن حدود الإطار التقليدي للحركة وليس خارج بنيتها القائمة.
انعقاد المؤتمر يأتي في سياق يتطلب مراجعات عميقة داخل الحركة، إلا أن المؤشرات الأولية لا تعكس وجود تحول جذري مرتقب
وأما على مستوى الانعكاسات السياسية، فيُتوقع أن يعيد المؤتمر تأكيد موقع فتح كقوة مركزية في النظام السياسي الفلسطيني، دون أن يقدم بالضرورة تحولا في طبيعة هذا الدور. فالمخرجات المرجحة قد تركز على تثبيت القيادة الحالية مع إدخال تعديلات محدودة، أكثر من إحداث تغيير في النهج العام أو إستراتيجية التعامل مع التطورات الإقليمية.
وتعكس هذه المعطيات حالة من التباين بين حجم التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية وبين سقف التغيير المتوقع داخل الحركة، ما يجعل المؤتمر أقرب إلى اختبار لقدرة فتح على إدارة استمرارية سياسية في بيئة مضطربة، أكثر من كونه محطة لإعادة التأسيس أو التحول الجذري.
وفي ظل الانقسام الفلسطيني المستمر منذ عام 2007 بين الضفة الغربية وقطاع غزة، تزداد تعقيدات المشهد أمام المؤتمر، إذ تظل مسألة المصالحة الداخلية خارج إطار الاختراقات الحقيقية، وفق تقديرات سياسية، ما يحد من قدرة الحركة على تقديم رؤية موحدة تعيد ترتيب البيت الفلسطيني ككل.
وبذلك، يقف مؤتمر فتح الثامن في رام الله أمام معادلة دقيقة: بين الحاجة الملحة إلى تجديد القيادة والرؤية لمواكبة التحولات العميقة في المشهد الفلسطيني، وبين قيود البنية التنظيمية والسياسية التي قد تدفع نحو إعادة إنتاج الواقع القائم أكثر من تغييره.
في المحصلة، لا يبدو مؤتمر فتح الثامن مجرد استحقاق تنظيمي مؤجل بقدر ما يمثل لحظة اختبار ثقيلة لحركة قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، لكنها تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر تعقيدا وأقل قابلية لإدارة الأزمة بالآليات التقليدية.
الحرب على غزة، والتصعيد المتواصل في الضفة الغربية، واستمرار الانقسام الداخلي، كلها عوامل تدفع الحركة إلى مواجهة سؤال يتجاوز إعادة ترتيب مواقع النفوذ داخلها، ليطال قدرتها على إنتاج رؤية سياسية جديدة تستعيد ثقة الشارع الفلسطيني وتواكب التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.
وبين خيار المراجعة العميقة وخيار الاكتفاء بإعادة تدوير التوازنات القائمة، ستتحدد قيمة المؤتمر الحقيقية، ليس فقط بالنسبة إلى فتح، بل أيضا لمستقبل النظام السياسي الفلسطيني بأكمله.