اخبار الإقليم والعالم
مصر تتحرك بين أبوظبي ومسقط لاحتواء التوتر الخليجي – الإيراني
حملت الجولة الخليجية السريعة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الخميس، رسائل سياسية تتجاوز بعدها الثنائي، في ظل احتدام التوتر بين إيران ودول الخليج، واستمرار المخاوف من انزلاق المنطقة مجددا إلى مواجهة مفتوحة رغم الحديث المتزايد عن اقتراب تفاهم أميركي – إيراني يضع حدا للحرب الأخيرة ويعيد ضبط قواعد الاشتباك في الخليج.
وأكد السيسي خلال زيارته إلى الإمارات رفض بلاده “الاعتداءات” الإيرانية التي استهدفت الإمارات، مشددا في الوقت نفسه على أن القاهرة ترى في الحوار والدبلوماسية المدخل الوحيد لتسوية الأزمة الإقليمية ومنع عودة الحرب.
وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة بالنظر إلى محاولة مصر لعب دور الوسيط الهادئ بين دول الخليج وإيران، مستفيدة من احتفاظها بقنوات اتصال مع مختلف الأطراف، ومن علاقاتها الوثيقة بأبوظبي والرياض ومسقط في آن واحد، والتواصل الدبلوماسي مع طهران.
وجاءت زيارة السيسي إلى أبوظبي، التي استغرقت ساعات قليلة قبل انتقاله إلى سلطنة عمان، في لحظة إقليمية دقيقة تتداخل فيها التهدئة العسكرية الهشة مع استمرار الشكوك العميقة بين واشنطن وطهران. وبينما تتحدث تقارير أميركية وإسرائيلية عن اقتراب التوصل إلى مذكرة تفاهم مؤقتة تنهي الحرب وتفتح الباب أمام مفاوضات أكثر تفصيلا، لا تزال الملفات الجوهرية العالقة، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني ومستقبل تخصيب اليورانيوم، تعرقل الوصول إلى اتفاق شامل ومستدام.
وتعتبر الإمارات من أكثر الدول الخليجية تضررا من تداعيات الحرب الأخيرة، بعدما تعرضت منشآت مدنية وطاقية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة نسبت إلى إيران، رغم نفي طهران مسؤوليتها عنها. ورفعت أبوظبي من منسوب انتقادها لإيران بشكل لافت في الفترة الأخيرة.
وأعادت تلك الهجمات إلى الواجهة المخاوف الخليجية من تحول أي تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران إلى تهديد مباشر لأمن الدول الخليجية واقتصاداتها الحيوية، وخاصة ما يتعلق بأمن الطاقة والملاحة في مضيق هرمز.
وفي هذا السياق، يرى متابعون للوضع في الخليج أن القاهرة تحاول الدفع نحو صيغة تهدئة إقليمية تقوم على الفصل بين الخلافات السياسية والأمن الاقتصادي لدول المنطقة، عبر تشجيع تفاهمات تقلل من احتمالات الانفجار العسكري وتمنح المسار التفاوضي الأميركي – الإيراني فرصة للنجاح.
ويعتقد هؤلاء أن مصر تسعى إلى استثمار موقعها التقليدي كطرف عربي يحتفظ بعلاقات متوازنة نسبيا مع مختلف القوى الإقليمية، بما في ذلك إيران، من أجل لعب دور في تخفيف حدة الاستقطاب القائم بين طهران والعواصم الخليجية.
ويشير مراقبون مصريون إلى أن تحرك السيسي بين أبوظبي ومسقط يحمل أبعادا متكاملة، فالإمارات تمثل الطرف الخليجي الأكثر تعرضا للتهديدات الإيرانية في المرحلة الأخيرة، بينما تعد سلطنة عمان القناة الخليجية الأكثر خبرة في إدارة الوساطات مع طهران. ولذلك تبدو القاهرة حريصة على تنسيق موقف عربي يدعم التهدئة، دون أن يُفهم ذلك باعتباره تنازلا عن رفض السياسات الإيرانية أو التغاضي عن الهجمات التي استهدفت دول الخليج.
ويقول هؤلاء إن مصر تدرك أن أي انفجار جديد في الخليج ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة عليها، سواء من خلال ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب حركة التجارة العالمية وقناة السويس، فضلا عن انعكاساته على الاستثمارات الخليجية والسياحة وتحويلات العاملين المصريين في المنطقة. لذلك تنظر القاهرة إلى خفض التوتر باعتباره ضرورة أمن قومي، وليس مجرد تحرك دبلوماسي تضامني مع الحلفاء الخليجيين.
وبحسب بيان للرئاسة المصرية، فقد استقبل الشيخ محمد بن زايد آل نهيان الرئيس السيسي لدى وصوله مطار أبوظبي الدولي، حيث عقد الجانبان لقاء ثنائيا أكد خلاله الرئيس المصري “تضامن مصر الكامل مع الإمارات في ظل الظرف الإقليمي الراهن”.
وشدد السيسي على “مساندة مصر لأمن واستقرار الإمارات ورفضها التام للاعتداءات الإيرانية على سيادتها”، معتبرا أن “ما يمس الإمارات يمس مصر”، كما وصف تلك الاعتداءات بأنها “انتهاك صارخ لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وتصعيد خطير يهدد أمن واستقرار المنطقة والعالم”.
لكن اللافت في الموقف المصري أنه جمع بين إدانة الهجمات الإيرانية والدعوة في الوقت نفسه إلى إعطاء الأولوية للمسار السياسي والدبلوماسي، في محاولة لعكس رؤية القاهرة القائمة على احتواء الأزمة بدلا من دفعها نحو مزيد من التصعيد.
ويرى المتابعون أن مصر تحاول من خلال هذا الخطاب الحفاظ على توازن دقيق بين دعم الحلفاء الخليجيين وعدم قطع خيوط التواصل مع إيران، بما يسمح لها بالقيام بدور تهدئة إذا ما توفرت ظروف سياسية مناسبة.
وبعد نحو شهر من الهدوء النسبي الذي أعقب الهدنة بين واشنطن وطهران، أعلنت الإمارات خلال الأيام الماضية اعتراض هجمات جديدة بصواريخ وطائرات مسيرة، الأمر الذي زاد المخاوف من هشاشة التفاهمات القائمة وإمكانية انهيارها في أي لحظة تحت ضغط الحسابات الميدانية أو تعثر المفاوضات السياسية.
وخلال زيارته إلى سلطنة عمان، المحطة الثانية في جولته، التقى السيسي السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة العامر، حيث بحث الجانبان التطورات الإقليمية وسبل دعم جهود التهدئة. وتكتسب مسقط ثقلا خاصا في هذا الملف نظرا لدورها التقليدي كوسيط موثوق بين واشنطن وطهران، وهو ما يمنح اللقاء المصري – العماني دلالات تتجاوز الإطار البروتوكولي المعتاد.
وبحسب وكالة الأنباء العمانية، تبادل السلطان هيثم والرئيس المصري وجهات النظر بشأن سبل التوصل إلى اتفاق نهائي للأزمة الأميركية – الإيرانية عبر الحوار والتفاهم والمسارات الدبلوماسية، في مؤشر على وجود تقاطع واضح بين القاهرة ومسقط حول أولوية احتواء التصعيد وإبعاد المنطقة عن سيناريوهات الحرب المفتوحة.
ويبدو أن القاهرة تراهن على أن نجاح أي تفاهم أميركي – إيراني، ولو كان مؤقتا، قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية أوسع في الخليج تشمل تهدئة التوتر بين إيران وجيرانها العرب، خاصة أن السنوات الماضية أثبتت أن المواجهات العسكرية لم تنتج سوى مزيد من الهشاشة وعدم الاستقرار. كما تدرك مصر أن استعادة الاستقرار في الخليج تمثل شرطا ضروريا لحماية الاقتصاد الإقليمي ومنع انزلاق المنطقة إلى دورة جديدة من الاستنزاف السياسي والأمني.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تحاول مصر تقديم نفسها كطرف عربي يدفع نحو التهدئة دون التخلي عن ثوابت التضامن مع دول الخليج، وهو توازن صعب لكنه يعكس إدراك القاهرة أن أمن الخليج بات جزءا لا يتجزأ من معادلة الأمن العربي، وأن منع الانفجار الشامل يتطلب بناء جسور سياسية حتى مع الخصوم، طالما أن البديل هو العودة إلى حافة الحرب المفتوحة.