اخبار الإقليم والعالم
سباق تسلح عالمي يعيد رسم التحالفات.. أوروبا في قلب التحول
تكشف الزيادة القياسية في الإنفاق العسكري العالمي عن تحول عميق في طبيعة العلاقات الدولية، إنفاق عسكري قياسي يعيد تشكيل النظام الدولي.. من الدبلوماسية إلى الردع.
ولم تعد الدبلوماسية وحدها كافية لإدارة الأزمات، بل باتت القوة العسكرية والردع عنصرين حاسمين في رسم موازين القوى بين الدول.
ورأى خبراء فرنسيون أن الارتفاع القياسي في الإنفاق العسكري العالمي يشير إلى التغيير العميق في طبيعة السياسة الدولية، واعتبروا أن أوروبا تحديدًا تعيش مرحلة تحول تاريخي.
وشهدت النفقات العسكرية العالمية ارتفاعًا مستمرًا في عام 2025، لتصل إلى 2.9 تريليون دولار (نحو 2.5 تريليون يورو)، وفقًا لتقرير نشره المعهد الدولي لأبحاث السلام في ستوكهولم الاثنين. وبذلك تسجل هذه النفقات زيادة للعام الحادي عشر على التوالي.
من دبلوماسية الحوار إلى الردع
ورأى المستشار القانوني السابق لدى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، أوليفييه دوزون في تصريحات لـ"العين الإخبارية" أن نتائج تقرير المعهد الدولي لأبحاث السلام في ستوكهولم تكشف التغيرات الاستراتيجية في النظام الدولي، فالإنفاق العسكري القياسي يعكس تغيرًا في طبيعة العلاقات الدولية.
كما اعتبر أن ذلك دليل على انتقال العالم من دبلوماسية الطاولات إلى دبلوماسية القوة المسلحة، فضلا عن تصاعد الاعتماد على الردع العسكري كأداة رئيسية في التفاوض.
وقد أنفقت الدول خلال العام الماضي ما يقارب 2.5 تريليون يورو على التسلح، بزيادة قدرها 2.9% مقارنة بالعام السابق. واستحوذت كل من الولايات المتحدة والصين وروسيا على أكثر من نصف هذا الإنفاق، بإجمالي بلغ 1.48 تريليون دولار.
من جانبه، قال الباحث الفرنسي في معهد جنيف للدبلوماسية ونائب مدير معهد دراسات السلام في جنيف جيل ايمانويل جاكيه لـ"العين الإخبارية" إن هذه الزيادة تأتي في سياق "عام جديد تميز بالحروب وتصاعد التوترات”، مشيرًا إلى أن العالم بات يشعر بدرجة أقل من الأمان، ما يدفع الدول إلى تعزيز قدراتها العسكرية.
ولفت إلى أن نتائج التقرير تعكس أن العالم يشهد ما يعرف بـ"العبء العسكري"، أي زيادة نسبة الإنفاق العسكري من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهي النسبة التي وصلت أعلى مستوياتها منذ عام 2009، في مؤشر واضح على تصاعد الاعتماد على القوة في إدارة الأزمات الدولية.
وأوضح أن ما يحدث اليوم يمثل "إعادة تشكيل للنظام الدولي"، حيث لم تعد القوة الناعمة وحدها كافية، بل أصبحت مدعومة بقوة صلبة واضحة.
وأشار جاكيه إلى أن الارتفاع القياسي في الإنفاق العسكري العالمي يؤكد التغيير العميق في طبيعة السياسة الدولية، موضحا أن أوروبا تحديدًا تعيش مرحلة تحول تاريخي، إذ تنتقل من الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية إلى بناء قدراتها الدفاعية الذاتية، ما يعزز مفهوم "الدبلوماسية المسلحة" كواقع جديد في العلاقات الدولية.
تراجع مؤقت
وأنفقت الولايات المتحدة نحو 954 مليار دولار في 2025، بانخفاض قدره 7.5% مقارنة بعام 2024، ويرجع ذلك أساسًا إلى عدم إقرار مساعدات عسكرية جديدة لأوكرانيا، خلافًا للسنوات الثلاث السابقة.
واعتبر تقرير "ستوكهولم" أن هذا التراجع مرشح لأن يكون مؤقتًا، إذ أقر الكونغرس ميزانية دفاعية تتجاوز تريليون دولار لعام 2026، مع احتمال وصولها إلى 1.5 تريليون دولار في 2027.
أوروبا تقود الارتفاع
وكانت أوروبا، بما فيها روسيا وأوكرانيا، المحرك الرئيسي لزيادة الإنفاق، حيث ارتفعت ميزانياتها العسكرية بنسبة 14% لتصل إلى 864 مليار دولار.
ووفقاً للباحث السياسي الأوروبي، فإن ذلك يرجع إلى عاملين رئيسيين الحرب المستمرة في أوكرانيا، تراجع التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن أوروبا، ما يدفع الدول الأوروبية لتحمل مسؤوليات أكبر"، بحسب صحيفة "لوموند" الفرنسية.
وسجلت ألمانيا زيادة لافتة بنسبة 24%، لتصل نفقاتها إلى 114 مليار دولار، بينما رفعت إسبانيا إنفاقها بنسبة 50% ليبلغ 40.2 مليار دولار، متجاوزة 2% من الناتج المحلي لأول مرة منذ 1994.
أما روسيا، فقد زادت إنفاقها بنسبة 5.9% ليصل إلى 190 مليار دولار، فيما رفعت أوكرانيا إنفاقها بنسبة 20% ليبلغ 84.1 مليار دولار، وهو ما يمثل نحو 40% من ناتجها المحلي.
الشرق الأوسط
ورغم استمرار التوترات، ارتفعت النفقات العسكرية في الشرق الأوسط بشكل طفيف جدًا بنسبة 0.1% فقط، لتصل إلى 218 مليار دولار.
وشهدت بعض الدول زيادات، بينما خفضت كل من إسرائيل وإيران إنفاقهما فإيران، تراجعت نسبة الإنفاق فيها بنسبة 5.6% بسبب التضخم المرتفع.
فيما خفضت إسرائيل إنفاقها، بنسبة 4.9% بعد تهدئة الحرب في غزة، رغم أن الإنفاق لا يزال أعلى بكثير مقارنة بعام 2022
آسيا
وفي منطقة آسيا-أوقيانوسيا، بلغت النفقات العسكرية 681 مليار دولار، بزيادة 8.5%، وهي أعلى وتيرة منذ 2009، فيما تقود الصين هذا الاتجاه بإنفاق بلغ نحو 336 مليار دولار، مع استمرار زيادته سنويًا منذ ثلاثة عقود.
كما رفعت دول أخرى إنفاقها استجابة لما تعتبره تهديدات متزايدة، مصل اليابان التي زادت إنفاقها بـ9.7% (أعلى مستوى منذ 1958)، وتايوان 14 %، أما كوريا الجنوبية وأستراليا، فشهدت زيادات مستمرة واستثمارات جديدة.