اخبار الإقليم والعالم

الهدنة ربما تجعل إيران أقوى

وكالة أنباء حضرموت

في خضم صراع إقليمي معقّد وتوازنات دولية دقيقة، جاءت الهدنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لتُطرح بوصفها لحظة تهدئة مؤقتة بعد أسابيع من التصعيد العسكري. غير أن هذه الهدنة، التي يفترض أن تمثل استراحة من العنف، تكشف في واقع الأمر تحولات أعمق في موازين القوى، وتثير تساؤلات جدية حول من خرج فعلياً رابحاً من هذه المواجهة.

وعلى السطح، بدا أن كل طرف يسعى إلى تسويق الهدنة باعتبارها انتصاراً. فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحقيق "نصر كامل"، مؤكداً أن أهداف واشنطن قد تحققت.

وفي المقابل، قدمت طهران الاتفاق على أنه إنجاز استراتيجي، خاصة بعد موافقة مجلسها الأعلى للأمن القومي عليه، بشرط وقف الهجمات.

وبين هذين الخطابين المتناقضين، تبرز حقيقة أكثر تعقيداً، مفادها أن طبيعة الهدنة نفسها توحي بأن إيران لم تخرج من الحرب ضعيفة، بل ربما أكثر قدرة على فرض شروطها.

ولم تكن الهدنة نتيجة هزيمة عسكرية واضحة لأي طرف، بل جاءت نتيجة تفاوض طويل جرى في ظل استمرار الضربات والضغوط.

والأهم من ذلك أن الإطار الذي دارت ضمنه المفاوضات استند بشكل ملحوظ إلى مقترحات إيرانية، أبرزها خطة النقاط العشر التي شكلت قاعدة للنقاش، في حين تراجعت المقاربة الأميركية التي كانت تركز على تفكيك القدرات النووية والصاروخية لإيران.

ويعكس هذا التحول ، في أحد أبعاده، انتقالاً في مركز الثقل التفاوضي، ويشير إلى قدرة طهران على تحويل الضغط العسكري إلى أوراق سياسية.

كما أن مضمون المقترحات الإيرانية يتجاوز مجرد وقف إطلاق النار، إذ يشمل عناصر ذات طابع استراتيجي واقتصادي، مثل تخفيف العقوبات، والوصول إلى الأصول المجمدة، والحصول على دعم لإعادة الإعمار، فضلاً عن الحفاظ على النفوذ في مضيق هرمز.

ويُعد هذا المضيق، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ورقة ضغط بالغة الأهمية، لا سيما مع إعادة فتحه تحت إشراف إيراني، في إشارة واضحة إلى موقع النفوذ الجديد الذي تسعى طهران إلى تثبيته.

وفي هذا السياق، تبرز أبعاد اقتصادية لا تقل أهمية عن الجوانب العسكرية والسياسية. إذ إن احتمال تخفيف العقوبات، إلى جانب عوائد محتملة من رسوم عبور السفن عبر المضيق، قد يوفّر لإيران موارد مالية تساعدها على إعادة بناء ما دمرته الحرب، وربما توسيع نفوذها الإقليمي.

وهنا تكمن المفارقة: فالحرب التي استهدفت إضعاف إيران اقتصادياً قد تفتح أمامها فرصاً جديدة للتعافي وربما التعزيز.

ولا تبدو هذه النتيجة مفاجئة تماماً عند النظر إلى طبيعة النظام الإيراني، الذي اعتاد على التكيف مع الضغوط. فسنوات العقوبات الطويلة دفعت طهران إلى تطوير استراتيجيات بديلة، قائمة على تنويع علاقاتها الاقتصادية، وتعزيز مؤسساتها الداخلية، والاعتماد على أدوات غير تقليدية في إدارة الصراع.

طبيعة الهدنة نفسها توحي بأن إيران لم تخرج من الحرب ضعيفة، بل ربما أكثر قدرة على فرض شروطها.

ويبدو أن الحرب الأخيرة لم تفعل سوى تسريع هذا المسار، إذ أظهرت إيران قدرة على امتصاص الضربات، والحفاظ على تماسكها الداخلي رغم استهداف قياداتها، بل وإعادة إنتاج قيادتها بسرعة.

وفي المقابل، تكشف هذه التطورات عن فجوة متزايدة بين الخطاب الأميركي والواقع الميداني. فبينما تصف واشنطن الهدنة بأنها انتصار، تشير طبيعة التفاوض ونتائجه إلى بحث أميركي عن مخرج من التصعيد، خاصة في ظل غياب نتائج عسكرية حاسمة.

كما أن التحول من المطالب الأصلية إلى التركيز على إطار تفاوضي أقرب إلى الطرح الإيراني يعكس نوعاً من إعادة التموضع، وربما الإقرار بصعوبة تحقيق الأهداف المعلنة.

ولا يقتصر هذا التحدي على البعد العسكري، بل يمتد إلى البعد السياسي والرمزي أيضاً. فقد أثارت الحرب جدلاً واسعاً بشأن شرعيتها، خاصة مع ارتفاع الخسائر البشرية، وتراجع الدعم الدولي، ما أثر على صورة الولايات المتحدة وحلفائها. وفي هذا السياق، تبدو "القوة الناعمة" الأميركية، التي طالما شكلت أحد أعمدة نفوذها، أقل فاعلية مما كانت عليه في السابق.

وأما على المستوى الإقليمي، فإن الهدنة قد تمثل لحظة مفصلية في إعادة تشكيل موازين القوى. فإيران، التي أظهرت قدرتها على التأثير في أسواق الطاقة العالمية من خلال موقعها الجغرافي، تملك اليوم أوراقاً إضافية يمكن توظيفها في أي تسوية مقبلة.

وهذا يمنحها نوعاً من "القوة الهيكلية" التي يصعب تقويضها بالوسائل العسكرية وحدها.

ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هذه النتائج نهائية أو مستقرة. فالهدن بطبيعتها هشة، وقد تنهار في أي لحظة، كما أن مسار المفاوضات لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، من التقدم إلى التعثر أو حتى العودة إلى التصعيد. لكن، حتى في حال استمرار الهدنة بشكل مؤقت، فإن ما كشفته من تحولات في طبيعة الصراع يظل ذا أهمية كبيرة.

وتشير هذه الهدنة إلى تحول أوسع في كيفية فهم "النصر" في الحروب الحديثة. فلم يعد التفوق العسكري كافياً لتحقيق الأهداف السياسية، بل باتت النتائج تُقاس بمدى القدرة على تحقيق مكاسب مستدامة اقتصادياً وسياسياً واستراتيجياً.

ووفق هذه المعايير، تبدو إيران قد نجحت، إلى حد ما، في تحويل الضغوط إلى فرصة، وفي الخروج من الحرب بموقع ربما أقوى مما كانت عليه قبل اندلاعها.

مفاوضات بلا أفق


الجزيرة تكسب معركة الجمهور الأميركي على يوتيوب


سياسة الإرباك الحوثيين ودور إيران


فرنسا تفتح صفحة جديدة مع إرثها الاستعماري عبر إعادة القطع الفنية المنهوبة