اخبار الإقليم والعالم
تراجع حاد في صادرات وإيرادات العراق النفطية
تكشفُ بياناتُ شهر مارس عن تحوّلٍ حاد في مسار الاقتصاد العراقي، مع اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، التي ألقت بظلالها الثقيلة على أحد أكثر الاقتصادات اعتماداً على النفط في العالم.
وفي غضون أسابيع قليلة، برزت هشاشة هذا النموذج الاقتصادي بشكل واضح، بعدما تراجعت صادرات النفط الخام بأكثر من 81 في المئة، في واحدة من أكبر الصدمات التي تواجهها البلاد منذ سنوات.
وتشير بيانات وزارة النفط وشركة تسويق النفط العراقية (سومو) إلى أن إجمالي الصادرات، بما في ذلك المكثفات، لم يتجاوز 18.6 مليون برميل خلال مارس، مقارنة بنحو 99.9 مليون برميل في فبراير، وأكثر من 107 ملايين برميل في يناير.
الوضع يعكس بوضوح حجم الصدمة المالية التي تواجهها بغداد، في ظل اعتماد شبه كلي على النفط كمصدر رئيسي للدخل
وهذا الانخفاض الحاد لم يكن مجرد تراجع رقمي، بل ترجمة مباشرة لاضطراب عميق في سلاسل التصدير، نتيجة التوترات الأمنية وإغلاق ممرات حيوية مثل مضيق هرمز، إلى جانب تضرر البنية التحتية للطاقة في المنطقة.
ولم تتوقف التداعيات عند حجم الصادرات فقط، بل امتدت إلى الإيرادات التي تُعد شريان الحياة للاقتصاد العراقي.
وهبطت العائدات إلى نحو 1.96 مليار دولار في مارس، مقارنة مع 6.8 مليار دولار في فبراير، وأكثر من 6.4 مليار دولار في يناير، أي بانخفاض يناهز 71 في المئة.
ويعكس هذا الوضع بوضوح حجم الصدمة المالية التي تواجهها بغداد، في ظل اعتماد شبه كلي على النفط كمصدر رئيسي للدخل.
وهذا الاعتماد الكبير، الذي طالما حذّر منه البنك الدولي، يضع العراق في موقع بالغ الهشاشة مقارنة بدول إقليمية أخرى مثل السعودية والإمارات، اللتين قطعا أشواطاً في تنويع اقتصاداتها وتقليل اعتمادها على العائدات النفطية.
وفي حين تستطيع هذه الدول امتصاص جزء من الصدمات عبر قطاعات بديلة، يجد العراق نفسه مكشوفاً أمام تقلبات السوق والنزاعات الجيوسياسية.
ويظهر توزيع الصادرات خلال مارس بدوره عن تفاوت في مستويات التأثر، فقد بلغت صادرات الحقول في وسط وجنوب العراق نحو 14.56 مليون برميل.
وسجل التصدير من إقليم كردستان نحو 1.27 مليون برميل عبر ميناء جيهان التركي، إلى جانب 2.77 مليون برميل من نفط كركوك عبر الميناء ذاته، في أول تسجيل لإيدرات كركوك منذ بداية العام.
ورغم أن جميع المناطق تأثرت، فإن التراجع كان أشد وطأة في الحقول الجنوبية التي تمثل العمود الفقري للإنتاج العراقي.
وشهد إقليم كردستان تراجعاً أقل نسبياً، مدفوعاً بمرونة أكبر في إدارة العمليات، وهو ما انعكس أيضاً في استئناف بعض الأنشطة التشغيلية.
وأعلنت شركة دانة غاز استئناف عملياتها في منشأة كورمور، بعد فترة من التوقف الاحترازي بسبب التوترات الأمنية.
وجاء هذا القرار بعد تنسيق مع الجهات الحكومية، مع إعطاء الأولوية لسلامة العاملين وحماية الأصول، في مؤشر على محاولات حذرة لإعادة الاستقرار إلى القطاع.
غير أن الصورة الأوسع تبدو أكثر قتامة، حيث خفّض البنك الدولي توقعاته لنمو اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان في عام 2026، متأثراً بتداعيات الحرب.
في المئة نسبة انخفاض صادرات النفط الخام في الشهر الماضي، في واحدة من أكبر الصدمات التي تواجهها البلاد منذ سنوات
وبحسب تقديراته، يُتوقع أن يتباطأ النمو إلى 1.8 في المئة، بانخفاض قدره 2.4 نقطة مئوية عن التوقعات السابقة، مع تركز التراجع في اقتصادات الخليج والعراق، التي خُفّضت توقعات نموها إلى 1.3 في المئة فقط، مقارنة بنحو 4.4 في المئة سابقا.
ولا تعكس هذه الأرقام فقط تراجعاً في الأداء الاقتصادي، بل تشير إلى تحولات أعمق قد تعيد رسم ملامح المنطقة.
ويشكل إغلاق مضيق هرمز، وارتفاع تكاليف الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، عوامل تضغط على الاقتصادات المعتمدة على النفط، وتكشف في الوقت ذاته حدود النموذج الاقتصادي الريعي.
وفي هذا السياق، تبدو الأزمة الحالية بمثابة اختبار قاسٍ لقدرة العراق على الصمود، ليس فقط في مواجهة صدمة ظرفية، بل في التعامل مع تحدٍ هيكلي طويل الأمد.
ومن الواضح أن التقلبات الجيوسياسية لم تعد استثناءً، بل أصبحت جزءاً من المشهد العالمي، ما يفرض على الدول المعتمدة على مورد واحد إعادة التفكير في استراتيجياتها الاقتصادية.
ويتفق خبراء على أن ما حدث في مارس ليس مجرد تراجع مؤقت في الصادرات، بل إنذار مبكر بضرورة التحول.
ويظل الاقتصاد العراقي الذي يعتمد على النفط عرضة للانهيار مع أول هزة كبرى، حيث يقف أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في نموذج هش، أو الشروع في مسار إصلاحي يضمن له قدراً أكبر من الاستقرار في عالم لا يعترف بالثوابت.