اخبار الإقليم والعالم
فشل المفاوضات يهدد هدنة واشنطن وطهران
فشلت الولايات المتحدة وإيران في التوصل إلى اتفاق بشأن حل مستدام للصراع في الشرق الأوسط، بحسب ما أعلنه الجانبان، الأمر الذي يزيد من حالة عدم اليقين بشأن الهدنة المعلنة لمدة أسبوعين.
وغادر نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس الأحد إسلام آباد بعدما قدّم لطهران "العرض النهائي والأفضل". وأكد فانس أن واشنطن تسعى إلى "التزام أكيد" من إيران بأنها لن تسعى لتطوير أسلحة نووية، لكنه أوضح "لم نر ذلك" أثناء الاجتماع الأعلى مستوى الذي عُقد بين الطرفين منذ الثورة الإسلامية عام 1979.
ومع ذلك، أشار نائب ترامب إلى أنه سيمهل إيران بعض الوقت لدراسة عرض الولايات المتحدة التي أعلنت الثلاثاء أنها وإسرائيل ستوقفان الهجمات على الجمهورية الإسلامية لمدة أسبوعين لإفساح المجال للتفاوض.
في المقابل حمل رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف الذي قاد وفد بلاده في المحادثات، الولايات المتحدة مسؤولية الفشل قائلا "زملائي في الوفد الإيراني... طرحوا مبادرات بنّاءة لكن في نهاية المطاف لم يكن الطرف الآخر قادرا على كسب ثقة الوفد الإيراني في هذه الجولة من التفاوض".
وأضاف قاليباف أن الوقت قد حان الآن للولايات المتحدة "لكي تقرر ما إذا كان بإمكانها كسب ثقتنا أم لا". ولم يدل بمزيد من التفاصيل، لكن وسائل إعلام إيرانية رسمية ذكرت في وقت سابق أن نقاطا رئيسية للخلاف شملت البرنامج النووي الإيراني والعبور في مضيق هرمز.
ويرى متابعون أن فشل المفاوضات كان مرتقبا، حيث أنه ليس من السهل معالجة قضايا شائكة لصراع مستمر منذ عقود في جولة محادثات قصيرة، فضلا عن كون الطرفين كل منهما يتعامل بمنطق "المنتصر" في الحرب، وبناء عليه، من حق كل طرف فرض شروط إنهائها.
ويشير المتابعون إلى أن الانسداد الحاصل يضع المنطقة أمام ثلاث سيناريوهات: الأول عودة الحرب، وهو ما أشارت إليه الإدارة الأميركية وعلى رأسها دونالد ترامب في أكثر من مرة، والسيناريو الثاني: إنهاء الحرب من جانب واحد من الولايات المتحدة، بعد أن كبدت إيران أضرارا واسعة على مستوى قدراتها العسكرية، وخسارة عدد كبير من قياداتها.
أما السيناريو الثالث فهو عودة الطرفين إلى طاولة المحادثات واستغلال الوقت المتبقي من الهدنة. ودعت باكستان التي ساعدت قيادتها في إقناع طرفي النزاع بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، أنها ستواصل تسهيل الحوار وحضّت البلدين على الاستمرار في احترام وقف إطلاق النار الموقت.
فشل المفاوضات كان مرتقبا، حيث أنه ليس من السهل معالجة قضايا شائكة لصراع مستمر منذ عقود في جولة محادثات قصيرة، فضلا عن أن كلا الطرفين يتعامل بمنطق "المنتصر" في الحرب،
وذكرت هيئة البث الإيرانية الرسمية "ايريب" أن المحادثات انهارت نتيجة "المطالب غير المعقولة للجانب الأميركي" رغم أن الناطق باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي لفت لاحقا إلى أنه لم يكن من المتوقع بأن يتوصل البلدان بعد حرب استمرت 40 يوما إلى اتفاق خلال جلسة مفاوضات واحدة.
وهاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في 28 فبراير، ما دفع طهران للرد، ما أغرق الشرق الأوسط في حرب انعكست تداعياتها الاقتصادية على العالم بأسره.
ودخلت إيران والولايات المتحدة المحادثات التي لعبت باكستان دور الوساطة فيها بمواقف متشددة، فيما كثّفت واشنطن الضغوط عبر إعلانها عن إرسال سفينتين حربيتين عبرتا مضيق هرمز لإزالة ألغام وضعتها إيران.
وظهرت مؤشرات على توتر في المفاوضات عندما اتهمت وسائل إعلام إيرانية الولايات المتحدة بتقديم "مطالب مبالغ فيها" في ما يتعلّق بالمضيق الذي كان يمر عبره خُمس نفط العالم قبل إغلاقه من قبل إيران خلال الحرب.
وبعد ساعات على بدء المفاوضات السبت، شدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أن الولايات المتحدة انتصرت بالفعل عبر قتل قادة إيرانيين وتدمير بنى تحتية عسكرية رئيسية.
وقال "سواء توصلنا إلى اتفاق أم لا، لا فرق بالنسبة لي، والسبب هو أننا انتصرنا". وبعد محادثات استمرت 21 ساعة في إسلام آباد، قال فانس للصحافيين إن التوصل إلى اتفاق ما زال أمرا غير ممكن.
وكانت إيران تتفاوض بشأن برنامجها النووي مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر عندما بدأ الهجوم الأميركي-الإسرائيلي عليها في فبراير. وأدت أولى الضربات إلى مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي.
وكوشنر وويتكوف ضمن فريق فانس في باكستان هذه المرّة أيضا. وفي الجانب الآخر، قاد رئيس البرلمان الوفد الإيراني الذي ضم 70 شخصا بينهم وزير الخارجية عباس عراقجي.
وتشمل المطالب الإيرانية للتوصل إلى اتفاق يضع حدا للحرب والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة وإنهاء الحرب الإسرائيلية على حزب الله في لبنان، وهي مسألة شدد فانس على أنها لن تُطرح للنقاش في إسلام آباد. كما شكّل فتح مضيق هرمز أحد أبرز المسائل الخلافية. ".
ومارست إيران خلال الحرب ضغوطا اقتصادية على العالم عبر فرض سيطرتها على المضيق، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط وفاقم الضغوط السياسية على ترامب إذ اشتكى الأميركيون من ارتفاع تكاليف الوقود.
وأعلن الجيش الأميركي السبت أن سفينتين حربيتين عبرتا المضيق لإزالة الألغام وتأمين ممر لناقلات النفط. لكن الجيش الإيراني نفى دخول أي سفن حربية أميركية عبر المضيق وهدد بالرد في حال حدوث ذلك.
وأفادت قيادة القوات البحرية للحرس الثوري أن عبور المضيق "سيُمنح فقط للسفن المدنية وفق ضوابط خاصة" خلال فترة وقف إطلاق لنار لمدة أسبوعين.
وتتأثّر الولايات المتحدة بشكل كبير بارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، لكنها تستورد كميات أقل مباشرة من الخليج مقارنة بالعديد من حلفائها الأوروبيين الذين ندد بهم ترامب لعدم انضمامهم إلى حرب لم يتم التشاور معهم بشأنها مسبقا.
وقال ترامب "سنفتح المضيق رغم أننا لا نستخدمه، لأن هناك الكثير من الدول الأخرى في العالم التي تستخدمه وهي إما خائفة أو ضعيفة أو بخيلة". ولم يخف قاليباف بعد وقت قصير من وصوله إلى باكستان عدم ثقة إيران بالولايات المتحدة. وقال "تجربتنا في التفاوض مع الأميركيين دائما ما كانت تبوء بالفشل ونكث الوعود".
وقبل التوجّه إلى باكستان، قال فانس إن الولايات المتحدة مستعدة للتفاوض "بحسن نيّة"، لكنه حذّر الجانب الايراني من "التلاعب" بواشنطن.
وكان تأكيد إسرائيل على أن وقف إطلاق النار لا يشمل لبنان أحد أبرز العوامل التي عقّدت المفاوضات. وشنت إسرائيل غارات واسعة النطاق وغزوا بريا للبنان منذ مطلع مارس ردّا على إطلاق حزب الله صواريخ عليها.
وأعلنت السلطات اللبنانية أن الغارات الإسرائيلية على الجنوب السبت أسفرت عن مقتل 18 شخصا، ما يرفع الحصيلة الإجمالية للقتلى جراء العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب إلى أكثر من ألفي شخص.
ومن المقرر أن تنعقد محادثات سلام مباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن الأسبوع المقبل. وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو السبت أنه يسعى لاتفاق سلام مع لبنان "يدوم لأجيال". لكن إسرائيل استبعدت التوصل إلى وقف لإطلاق النار مع حزب الله، مشيرة إلى أنها ستسعى بدلا من ذلك للضغط على الحكومة في بيروت.