اخبار الإقليم والعالم
إغراق واستنزاف دفاعات الخصم.. استراتيجية أمريكا الجديدة بالحروب الكبرى
في قلب التحولات المتسارعة التي تعيد تشكيل طبيعة الحروب الحديثة، برزت الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة بوصفها عاملاً حاسماً في إعادة تعريف موازين القوة.
وفي هذا السياق، تمثل الطائرة الأمريكية “لوكاس" مثالاً صارخاً على تحول استراتيجي داخل البنتاغون، إذ انتقلت من فكرة مثيرة للجدل إلى سلاح وصفه قادة عسكريون بأنه “لا غنى عنه” في العمليات القتالية، وفقا لموقع تايم وور زون.
هذه المسيّرة الانتحارية بعيدة المدى، المستلهمة عبر هندسة عكسية من المسيرة الإيرانية “شاهد-136”، سجلت
مع نجاح المسيرة الأمريكية «لوكاس» في عملية «الغضب الملحمي»، دخلت الولايات المتحدة مرحلة جديدة من الاعتماد على ما يُعرف بـ”الذخائر القابلة للاستهلاك” منخفضة التكلفة، في مقابل الأنظمة التقليدية عالية الكلفة.
مرحلة جديدة شاهدة على تحول في العقيدة العسكرية الأمريكية، عنوانه «الكمّ يصنع الفارق»، كأساس في مواجهة الحروب الكبرى، يرتكز على المزج بين الأنظمة المتطورة عالية الدقة، وكتل ضخمة من الذخائر منخفضة التكلفة القابلة للإنتاج السريع.
هذه المعادلة تفتح الباب أمام تكتيكات جديدة تقوم على “إغراق” المجال الجوي للخصم، واستنزاف دفاعاته عبر موجات كثيفة من الأهداف.
ولا تقتصر أهمية هذا التحول على ساحات الشرق الأوسط أو أوروبا، بل تمتد إلى سيناريوهات أكثر تعقيداً، خاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى “لوكاس” كنموذج قابل للتوسع لمواجهة التفوق العددي المحتمل للخصوم.
جذور التحول
تعود جذور هذا التحول إلى أوائل عام 2024، عندما بدأ مسؤولو البنتاغون، بقيادة مايكل هورويتز، دراسة مكثفة لتأثير المسيّرات في الحرب الأوكرانية. فقد كشفت تلك الحرب عن فجوة جوهرية في الترسانة الأمريكية تمثلت في تفوق نوعي في الأسلحة الدقيقة باهظة الثمن، يقابله نقص في القدرة على الإنتاج الكمي واسع النطاق.
ويقدم هورويتز مثالاً دالاً على ذلك: فتكلفة إنتاج 400 صاروخ “توماهوك” تعادل تقريباً إنتاج نحو 46 ألف طائرة من طراز “لوكاس”.من صدمة أوكرانيا إلى مراجعة البنتاغون
مسيرة لوكاس أمريكية
ورغم غياب معارضة صريحة داخل المؤسسة العسكرية، واجه المشروع عقبة من نوع مختلف: إرث عقائدي طويل يقوم على تفضيل “الأفضل والأغلى” حتى وإن كان محدود العدد.
وقد تطلب تجاوز هذه الذهنية جهداً بيروقراطياً وإقناعياً، انتهى بدعم من قيادات عليا، أبرزها نائبة وزير الدفاع آنذاك كاثلين هيكس، التي وافقت على تمويل المشروع رغم طبيعته غير التقليدية.
المفارقة أن التكلفة الأولية لم تتجاوز “عشرات الملايين من الدولارات”، وهو رقم ضئيل مقارنة بميزانية دفاعية تتجاوز 800 مليار دولار، لكنه كان كافياً لإطلاق مسار جديد في تطوير القوة العسكرية.
ولتسريع هذا التوجه، يدعو هورويتز إلى تبني نموذج صناعي شبيه ببرنامج “سفن الحرية” في الحرب العالمية الثانية، بحيث تمتلك الحكومة حقوق الملكية الفكرية وتكلف عدة شركات بالإنتاج المتوازي، مستفيدة من اعتماد هذه المسيّرات على مكونات تجارية أقل تعقيداً من الأنظمة التقليدية.
ووفقا للموقع، لا تمثل قصة “لوكاس” مجرد نجاح تقني أو إضافة نوعية للترسانة الأمريكية، بل تعكس تحوّلاً عميقاً في فهم طبيعة القوة العسكرية في القرن الحادي والعشرين.
فبعد عقود من الرهان على “الأسلحة الفاخرة” محدودة العدد، يبدو أن الحروب القادمة ستُحسم بقدرة الدول على الجمع بين الابتكار والكمّ، وعلى إنتاج القوة بوتيرة تواكب إيقاع المعركة.