اخبار الإقليم والعالم
حرب إيران تفتح الباب لتغيير ضروري في العقيدة الأمنية لبلدان الخليج
منذ الأيام الأولى للحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، كان واضحا أن دول الخليج العربي هي التي تتحمل الجزء الأكبر من تداعيات النزاع المسلّح الذي أشعلته واشنطن وتل أبيب.
فمنذ نشوب تلك الحرب في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، أمطرت إيران منشآت مدنية وبنى تحتية بما فيها مرافق متعلقة بقطاع الطاقة الحيوي في الخليج بالصواريخ والطائرات المسيرة ما دفع شركات الطاقة في البحرين والكويت وقطر لإعلان حالة القوة القاهرة لعجزها عن الوفاء بالتزاماتها التعاقدية.
ووفي تحليل مشترك نشرته مجلة فورين أفيرز الأميركية قال نيل كويليام الباحث الزميل في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمعهد الملكي للشؤون الدولية "تشاتام هاوس" وسانام فاكيل مدير برامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البرنامج إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يأخذ في الاعتبار تحذيرات قادة الخليج قبل شنه لهذه الحرب.
ففي الأشهر السابقة، عارض قادة دول مجلس التعاون الخليجي بشدة فتح جولة جديدة من الصراع مع إيران، وحثوا ترامب على مواصلة المفاوضات مع القادة الإيرانيين. ومع ذلك، ورغم الزيارات الشخصية التي قام بها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وقادة الإمارات، ومسؤولون إقليميون آخرون، أشعل ترامب الحرب، وانحاز إلى رغبات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي طالما سعى إلى ضرب إيران.
ويدرك قادة الخليج بصورة متزايدة خطورة عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات ترامب، وأن أولويات الولايات المتحدة غالبا ما تتعارض مع أولوياتهم .لكن الابتعاد عنها لن يكون سهلا، باعتبارها الطرف المعوّل عليه أكثر من غيره للمساهمة في توفير الأمن لهذه الدول، على الأقل في الوقت الراهن.
ومع ذلك، تبدو دول الخليج على طريق تحقيق الاستقلالية عن المظلة الأمنية الأميركية الأمر الذي يتطلب الاتفاق بسرعة على استراتيجية تهدف إلى الحد من التصعيد، والحفاظ على المرونة، وحماية النمو الاقتصادي بما يمكّن تلك البلدان من دعم أجنداتها الداخلية.
كما يتعين على هذه الدول تجاوز استراتيجيتها السابقة المتمثلة في التحوط المُدار، أي الاعتماد على الولايات المتحدة مع الانخراط الانتقائي مع إيران وإسرائيل، والعمل بدلا من ذلك على خلق توازن إقليمي جديد. ويحتاج قادة الخليج إلى إقامة قنوات دبلوماسية جديدة بين المتصاعرين في المنطقة، والدخول في شراكات إقليمية أفضل وأكثر استدامة مع دول أخرى غير الولايات المتحدة، وتعزيز الروابط فيما بينها.
ورغم أن الموقف الراهن يثير قلق قادة الخليج في الشرق الأوسط، تثير السياسات العدوانية الإسرائيلية المتزايدة لديهم قلقا بالغا. فقبل سنوات قليلة كان قادة بعض دول الخليج ينظرون إلى إسرائيل كشريك أمني واقتصادي مفيد، أما الآن، فقد أصبحت تل أبيب عاملا مزعزعا للاستقرار. كما تصر تل أبيب على استمرار الحرب ضد إيران دون مبالاة بما تتعرض الدول الخليجية له من عواقب هذه الحرب. بل إن إسرائيل لا تتردد في مهاجمة الدول الخليجية نفسها لتحقيق أهدافها. ففي سبتمبر 2025، قصفت القوات الإسرائيلية مجمعا سكنيا في قطر كان يقيم فيه قادة حركة حماس الفلسطينية أثناء خوضهم للتفاوض مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة.
المحلّلان نيل كويليام وسانام فاكيل: عهد اعتماد دول الخليج على قوى خارجية لإدارة الأمن الإقليمي انتهى. ولحماية مصالحها، ستحتاج هذه الدول إلى بناء قدرات جماعية، وإدارة التنافسات، وتشكيل موازين القوى بنفسها.
وبعد أسابيع قليلة من قصف الدوحة، أصدر ترامب أمرا تنفيذيا يضمن دفاع بلاده عن قطر، بهدف طمأنة دول الخليج بأنها لن تكون ضحية جانبية لصراعات إسرائيل. لكن هذا الالتزام لم يسهم كثيرا في حماية دول الخليج عندما شنت إسرائيل والولايات المتحدة حربهما على إيران بعد بضعة أشهر فقط، حيث تعرضت دول الخليج للقصف الإيراني، في الوقت الذي أعطت فيه واشنطن الأولوية للدفاع عن إسرائيل. لذلك، تعاني دول الخليج من هجمات الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية. كما أنها باتت تواجه صعوبات في نقل منتجاتها إلى العالم عبر مضيق هرمز ما ينتقص من سمعتها كملاذ تجاري آمن.
وفي التحليل المشترك يرى نيل كويليام وسانام فاكيل أنه سيتعين على دول الخليج على المدى القريب تعزيز تعاونها مع واشنطن في مجالات الدفاع الصاروخي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والأمن البحري. فبغض النظر عن نتيجة الحرب الحالية، سيكون الخليج أكثر عرضة للخطر من أي وقت مضى، وبالتالي في حاجة ماسة إلى المساعدة الأميركية. إلا أن قطاعات من شعوب الخليج بدأت تتساءل عن مدى موثوقية الولايات المتحدة وجدوى استضافة قواعدها. لذا يجب على قادة الخليج السعي لضمان قدر من الاستقلالية من الولايات المتحدة من خلال تعزيز التعاون، ولا سيما فيما بينها لحماية نفسها بشكل أفضل. وقد وضعت دول الخليج خططا لتحقيق ذلك منذ سنوات، إلا أن بعض الخلافات السياسية البينية، وتداخل هياكل الدفاع الوطني، والمخاوف من التنازل عن السيادة، حالت دون تحقيق تكامل حقيقي. ومع ذلك، توفر الأزمة الحالية دافعا واضحا للتغيير.
كما سيتعين على دول الخليج ليس فقط إقامة شراكات دفاعية مع دول أخرى، وإنما أن تكون في صميم الحوار الدبلوماسي بين القوى الرئيسية في المنطقة. وبالنسبة للخليج، ينبغي أن يكون هذا دورا مألوفا فعلى مدى أكثر من عقد، لعبت سلطنة عمان وقطر والإمارات العربية المتحدة دور الوساطة الإقليمية في أكثر من صراع. ورغم عدم التمكّن من منع هذه الجولة الأخيرة من القتال، لا تزال دول الخليج تنظر إلى الدبلوماسية كوسيلة للتأثير على قضايا المنطقة دون الاعتماد كليا على القوة العسكرية.
وفي المقابل فإن هدف إسرائيل من الحرب ضد إيران مختلف، فهي تأمل في هزيمة الجمهورية الإسلامية وربما تفكيكها، لكن الجغرافيا وحدها تجعل بقاء إيران ذا أهمية لأمن الخليج بغض النظر عن نتيجة الحرب الحالية، ولذا يدرك قادتها أن الاستقرار طويل الأمد بالنسبة لهم سيتطلب في نهاية المطاف، ضمان منع تحول الصراعات إلى مواجهات عسكرية متكررة. وقد عكس التقارب بين إيران والسعودية في السنوات الأخيرة إدراكا أوسع في الخليج بأن الحوار مع طهران ضروري لضبط التوترات.
وإذا كانت هناك تقارير تقول إن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يدعم نهجا أميركيا أكثر حزما تجاه إيران، فإنه يمكن فهم ذلك كجزء من استراتيجية ذات مسارين تجمع بين الردع والانخراط المستمر، بدلا من التخلي التام عن الدبلوماسية، وهو ما تؤكده مشاركة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في محادثات نظرائه من مصر وباكستان وتركيا بشأن خفض التصعيد. كما يدرك قادة الخليج أن عليهم التعامل مع النظام الإيراني القائم، وليس النظام الذي يريدونه.
أخيرا يقول نيل كويليام وسانام فاكيل إن عهد اعتماد دول الخليج على قوى خارجية لإدارة الأمن الإقليمي انتهى. ولحماية مصالحها، ستحتاج هذه الدول إلى بناء قدرات جماعية، وإدارة التنافسات، وتشكيل موازين القوى بنفسها.
وقد لا توقف هذه الإجراءات الحرب الحالية، التي تفرضها إسرائيل والولايات المتحدة وإيران على المنطقة بشكل شبه كامل. لكن بإمكان دول الخليج التأثير في البيئة التي ستتكشف فيها تداعيات الصراع، والمساعدة في منع اندلاع حرب أخرى.