اخبار الإقليم والعالم

تهديدات ترامب بالانسحاب من الناتو تربك الغرب

وكالة أنباء حضرموت

ينظر الحلفاء الغربيون بقلق شديد إلى تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتي ستشكل في حال تنفيذها ضربة لأحد أهم أعمدة الأمن الغربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وتشهد العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين في حلف شمال الأطلسي توترا غير مسبوق على خلفية رفضهم المشاركة في الحملة الأميركية-الإسرائيلية المشتركة على إيران.  

وقال الرئيس الأميركي في مقابلة مع صحيفة "‌ديلي تيليغراف" البريطانية إنه يدرس بجدية انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي بعد تقاعس الحلفاء عن "دعمنا" في الحملة ضد الجمهورية الإسلامية.

ووصف ترامب الحلف بأنه "نمر من ورق"، ونقلت الصحيفة البريطانية عنه قوله إن مسألة انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق الدفاع "تجاوزت مرحلة إعادة النظر".

انسحاب الولايات المتحدة، في حال حصل، لا يعني بالضرورة انهيار الحلف فورا، لكنه سيضعه أمام تحدٍ وجودي

وأضاف أنه كانت لديه منذ فترة طويلة شكوك بشأن مصداقية حلف شمال الأطلسي.

وقال ‌ترامب للصحيفة البريطانية، عندما سُئل عما إذا ‌كان سيعيد النظر في عضوية الولايات المتحدة في الحلف بعد الحرب "نعم، ‌أقول إن الأمر تجاوز مرحلة إعادة النظر". وأضاف "لم أقتنع يوما بحلف شمال الأطلسي. كنت أعرف دائما أنه نمر من ورق، و(الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين يعرف ذلك أيضا، بالمناسبة".

ويشكل انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي، في حال تحقق، زلزالا جيوسياسيا سيعيد رسم ملامح النظام الدولي الذي تشكّل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فواشنطن لم تكن عضوا عاديا في الحلف، بل كانت عموده الفقري عسكريا وماليا واستراتيجيا، والضامن الأول لمبدأ "الدفاع الجماعي" الذي يقوم عليه.

ومن الناحية العسكرية، يعني انسحاب الولايات المتحدة تراجعا حادا في القدرات القتالية للحلف. فالجيش الأميركي يوفر الجزء الأكبر من القوة النووية الرادعة، إضافة إلى التفوق في مجالات التكنولوجيا العسكرية، والاستخبارات، والقيادة والسيطرة. وبدون هذا الدور، ستجد الدول الأوروبية نفسها أمام فجوة كبيرة يصعب سدها في المدى القصير، رغم محاولات بعض الدول مثل فرنسا وألمانيا تعزيز قدراتها الدفاعية.

هذا التحول قد يدفع أوروبا إلى إعادة التفكير في مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي”، لكنه سيضعها أيضاً أمام اختبار صعب يتعلق بمدى قدرتها على حماية نفسها دون المظلة الأميركية.

سياسيا، سيُنظر إلى الانسحاب باعتباره تراجعا أميركيا عن دورها القيادي في العالم، وهو ما قد يضعف ثقة الحلفاء بواشنطن. فالحلف الأطلسي لم يكن مجرد تحالف عسكري، بل كان رمزا لوحدة الغرب وقيمه المشتركة. وإذا انسحبت الولايات المتحدة، فقد تتزعزع هذه الوحدة، وتظهر انقسامات داخل أوروبا نفسها بين دول تدعو إلى التقارب مع قوى أخرى، وأخرى تسعى للحفاظ على العلاقة التقليدية مع واشنطن بأي شكل. كما قد يشجع ذلك قوى دولية منافسة على اختبار صلابة الموقف الأوروبي، سواء عبر الضغط السياسي أو التحركات العسكرية غير المباشرة.

وللانسحاب تداعيات اقتصادية غير مباشرة لكنها عميقة. فالأمن كان دائما عاملا أساسيا في استقرار الأسواق الأوروبية وجاذبيتها للاستثمار. ومع تراجع الضمانات الأمنية، قد ترتفع المخاطر الجيوسياسية، ما ينعكس على الأسواق المالية، وأسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد. كذلك قد تضطر الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها الدفاعي بشكل كبير، وهو ما سيؤثر على موازناتها العامة، وربما على برامجها الاجتماعية.

أليس روفو: حلف شمال الأطلسي هو تحالف عسكري يضمن أمن منطقتي أوروبا والأطلسي ولم يُشكل لتنفيذ عمليات في مضيق هرمز من شأنها أن تمثل انتهاكا للقانون الدولي

وعلى مستوى الردع النووي، يمثل الانسحاب نقطة تحول خطيرة. فالمظلة النووية الأميركية كانت تشكل عنصر ردع حاسماً ضد أي تهديد وجودي لأوروبا. وبدونها، قد تعود النقاشات حول تطوير قدرات نووية أوروبية مستقلة، وهو خيار محفوف بالتعقيدات السياسية والقانونية، وقد يفتح الباب أمام سباق تسلح جديد داخل القارة وخارجها. كما أن دولاً كانت تعتمد بالكامل على الحماية الأميركية قد تشعر بتهديد وجودي، ما يدفعها إلى إعادة صياغة سياساتها الدفاعية بشكل جذري.

وسيعزز الانسحاب من المؤشرات التي تفيد بتحول في أولويات الولايات المتحدة، باتجاه التركيز على مناطق أخرى مثل آسيا والمحيط الهادئ. هذا التحول قد يمنح قوى كبرى أخرى مساحة أوسع للحركة في أوروبا ومحيطها، ويعيد تشكيل موازين القوى الدولية. كما قد يضعف من قدرة الغرب على التنسيق في القضايا العالمية الكبرى، مثل الأزمات الأمنية أو التحديات العابرة للحدود.

وفي أعقاب تصريحات الرئيس الأميركي، تداعت الدول الأوروبية مدافعة عن حلف شمال الأطلسي،  ووصف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الأربعاء بكونه "التحالف العسكري الأكثر فاعلية الذي عرفه العالم على الإطلاق". وقال ستارمر خلال مؤتمر صحافي في مقر رئاسة الحكومة "(الناتو) يكفل أمننا منذ عقود، ونحن ملتزمون به كليا".

وأكد متحدث باسم الحكومة الألمانية ‌التزام برلين تجاه الحلف. وقال المتحدث في مؤتمر صحافي حكومي دوري "هذه ليست ‌المرة الأولى التي يفعل فيها (ترامب) ذلك، ‌وبما أن هذه ظاهرة متكررة، فربما يمكنكم الحكم على العواقب بأنفسكم". وأضاف "ليس ‌من شأني هنا التعليق على كلمات الرئيس الأميركي. أريد فقط أن أؤكد باسم الحكومة الألمانية أننا ملتزمون بالطبع تجاه حلف شمال الأطلسي".

وانفجر غضب الرئيس الأميركي من الحلفاء في الناتو عقب رفضهم الانخراط في الحملة ضد إيران، ومن ثمة رفضهم المشاركة في أي جهود لتأمين مضيق هرمز الذي أغلقته طهران. وازداد الوضع سوءا في الأيام الأخيرة حينما رفضت دول أوروبية مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا فتح قواعدهم العسكرية للولايات المتحدة.

وقالت وزيرة الدولة الفرنسية لشؤون الجيش ‌أليس روفو الأربعاء إن حلف شمال الأطلسي هو تحالف عسكري يضمن أمن منطقتي أوروبا والأطلسي ولم يُشكل لتنفيذ عمليات في مضيق هرمز من شأنها أن تمثل انتهاكا للقانون الدولي.

ولا يعني انسحاب الولايات المتحدة، في حال حصل، بالضرورة انهيار الحلف فورا، لكنه سيضعه أمام تحدٍ وجودي. فقد تضطر الدول الأوروبية إلى إعادة هيكلة الحلف أو إنشاء ترتيبات أمنية بديلة، وربما تعميق التعاون العسكري بينها بشكل غير مسبوق. غير أن هذه العملية ستكون معقدة ومكلفة وتستغرق وقتا، ما يترك فراغا استراتيجيا قد تستغله أطراف أخرى.

والثابت أن انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي سيكون نقطة تحول تاريخية، ليس فقط للحلف، بل للنظام الدولي بأسره. فهو يعكس احتمال انتقال العالم من مرحلة الهيمنة الغربية المتماسكة إلى مرحلة أكثر تعددية واضطرابا، حيث تتراجع الضمانات التقليدية ويزداد الاعتماد على القدرات الذاتية. وبينما قد يرى البعض في ذلك فرصة لإعادة التوازن، فإن المخاطر المرتبطة به تبقى كبيرة، خصوصاً في ظل بيئة دولية تتسم أصلا بالتوتر وعدم اليقين.

قضيّة "المقابر الجماعية" في طرابلس الليبية تتجّه إلى التدويل


الاختراق الإيراني للشاشات العربية في مقابل الفراغ السردي والانقسام العربي


الاقتصاد العالمي يدفع فاتورة باهظة للتوتر في الشرق الأوسط


قتلى في انفجارات مستودع ذخيرة.. النيران تحيي «كابوس بوروندي»