ثقافة وفنون
أتروبيا.. سخرية سينمائية تفكك عبث الحرب الأميركية في العراق
لم يخلُ تاريخ حرب العراق من المحاكاة الساخرة والتهكمية والسخرية الصريحة. فمنذ بدايتها، مثّلت مصدرًا خصبًا للكوميديا، حيث تناولتها برامج حوارية مسائية، وعروض اسكتشات، ورسوم متحركة، وأفلام روائية، مثل “فريق أميركا: شرطة العالم” و”نائب الرئيس” لآدم مكاي. ورغم ذلك، لطالما شعرنا بنقص في الأفلام، وخاصةً الإنتاجات الأميركية، التي تتناول الحرب بروح دعابة لا تجعل الضحايا مادةً للسخرية. وهذا هو الفراغ الذي يملأه فيلم “أتروبيا” (2025)، الفائز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان صندانس السينمائي الأميركي لهذا العام.
قدّم فيلم “أتروبيا”، وهو أول تجربة إخراجية لعارضة الأزياء والممثلة والصحفية السابقة في مجلة فايس هايلي بنتون غيتس، رؤيةً مختلفةً تمامًا عن فيلم “حرب” الذي صدر هذا العام والذي لا يقلّ روعةً عنه ولكنه أكثر واقعيةً وقسوةً. إنها رؤيةٌ تبدو غريبةً إلى درجة أنها لا يمكن أن تكون إلا حقيقية. فبدلاً من أن تدور أحداث الفيلم في الخارج، تُركّز غيتس على ميادين التدريب الواقعية المُتقنة التي بُنيت في الولايات المتحدة لمحاكاة المدن العراقية.
شملت هذه المحاكاة ممثلين يؤدون أدوار مدنيين ومتمردين، لكلٍّ منهم قصته في الخلفية المُفصّلة، إنّ الطابع السريالي لهذه الأماكن يجعلها مادةً خصبةً للسخرية، وقد استغلّت غيتس ذلك ببراعة، فصنعت فيلمًا يجمع بين الفكاهة الغريبة والواقعية المؤلمة.
السخرية المؤلمة
في أول فيلم إخراجي روائي لها المعروف أيضا باسم “الصندوق”، تحاول هايلي غيتس بناء قرية عراقية بهدف تدريب الجنود الأميركيين ويطلق عليها اسم “أتروبيا”. وتتبع نهجا ساخرا، إذ تنتقد تصميمها الهزلي بتوظيف أشخاص عراقيين لتدريب الجنود على غزو منازلهم ومعرفة طباعهم. ويتتبع الفيلم روتين الجنود والممثلين المدنيين والقادة الكبار المشاركين في حرب ليست حقيقية حتى يبدأ الأمر في الظهور بشكل المهزلة العسكرية.
في مشهد افتتاحي مقتبس من بدايات العديد من أعمال دراما الحرب في عهد بوش، تلتقط الصخب والفوضى في تقاطع في الشرق الأوسط بينما يقوم الجنود الأميركيون بدوريات بحثا عن المقاتلين. ثم يظهر المقاتلون ويصرخون “الموت لأميركا”، ويزرعون المفخخات والعبوات الناسفة على سيارة تنفجر وترسل أجزاء من الجثث المقطوعة في الهواء الكثيف المغبر. إنها حادثة مؤلمة حتى يصدر مكبر صوت “اقطع”، مما يسمح للجميع بترك الشخصية والشكوى لفريق الألعاب النارية عن الحمار المزيف الذي لم تنفجر قنبلة الديناميت الموضوعة فيه.
في المشهد الافتتاحي المثير، المليء بالإشارات الساخرة إلى أفلام الحرب الأميركية، تجسد فيروز دور امرأة عراقية تشهد مرور القوات الأميركية عبر قريتها لمطاردة مشتبه به، بالتزامن مع انفجار عبوة ناسفة. تعلو الصرخات ويتدفق الدم، وتتناثر الأطراف المبتورة في الهواء، عندما تفشل عبوة ناسفة ثانية في الانفجار، يكتشف المشاهد أنه في موقع تصوير، وأن المجزرة التي جرت أمام عينيه لم تكن سوى مشهد تمثيلي رديء، يجمع كل الصور النمطية المبتذلة لأفلام الحرب الأميركية.
في قلب هذه المهزلة (سواء في الفيلم أو المدينة) توجد فيروز (علياء شوكت). تأمل في استخدام أتروبيا كنقطة انطلاق لمسيرة فنية متأخرة، ولهذا تأخذ أدوارها كـ”كيميائية غاز الخردل” أو “صانعة الخبز” على محمل الجد أكثر من اللازم. بين التحضيرات، تنصح ممثلين آخرين – بعضهم عراقيون وبعضهم مكسيكيون – حول “الحاجة للدخول في قصصهم الخلفية”، وأحيانا تبالغ قليلا عندما يكون كشافو هوليوود يراقبون.
"أتروبيا" ضربة مباشرة لجوهر الفكر العسكري الحديث بجمالية خام وسرد يمزج بين الخيال العسكري والعبثية السياسية
تتعطل هذه النظرة بوصول أبو دايس (كالوم تورنر)، وهو جندي بين مهمات الانتشار يتمركز في أتروبيا ليلعب دور متمرد عراقي. يبدو في البداية تهديدا لسيطرتها، لديه معرفة حقيقية بهذه المدن ويسأل فيروز عن قراراتها واختياراتها في التمثيل. لكن في النهاية يقعان في حب بعضهما البعض، ويرفضان الالتزام بالقواعد ويعقدان الأمور على المسؤولين الحكوميين الأميركيين المشرفين على هذا المشروع، ويقرران الهروب من الصندوق.
الفيلم غريب، يروي كيف تعمل فيروز، الممثلة الطموحة المصممة على تحقيق انطلاقتها الكبيرة في هوليوود، في هذا الميدان التدريبي، رغم مشاعرها المتضاربة تجاه حرب العراق. على الرغم من اتهام والديها لها بخيانة ثقافتها وبلدها لرفضهما تدريبها للجنود على غزو بلادهم، إلا أن ميدان التدريب هو المكان الوحيد الذي يفتح لممثلين من نوعها (وهو أمر ليس مفاجئًا في هوليوود في تلك الحقبة).
يجسد الفيلم، من خلال أداء شوكت المؤثر والفكاهي، الفجوة الحقيقية التي يعاني منها العديد من أبناء المهاجرين. وهي الفتاة التي تحلم بأن تصبح ممثلة في فيلم تدور أحداثه في قاعدة عسكرية أميركية تقع في صحراء بين كاليفورنيا ونيفادا وتحاكي منطقة حرب عراقية، حتى يتعلم الجنود كيف يتصرفون قبل الذهاب إلى التضاريس الحقيقية للمعركة.
“أتروبيا” ليس مجرد فيلم، إنه ضربة مباشرة لجوهر الفكر العسكري الحديث. بجمالية خام وسرد يمزج بين الخيال العسكري والعبثية السياسية، يقدم الفيلم تجربة سينمائية مسلية ومزعجة في آن واحد، حيث يتقمص الممثلون أدوار قرويين في دول تخطط أميركا لغزوها. في فيلمها الأول تغوص الكاتبة والمخرجة هايلي غيتس في ثقافة حقبة بوش، ثقافة الذكورية السامة والقومية وكراهية الإسلام، بأسلوب ساخر ومضحك في آنٍ واحد.
سخرية سياسية حادة
“أتروبيا 2025” سخرية مثيرة من الحرب هزت مهرجان صندانس 2025 بأسلوبها الجريء ورسالتها السياسية اللاذعة. المخرجة تكشف كيف يمكن أن يصبح التدريب العسكري عرضا استعراضيا، وكيف أصبح العنف الرمزي أمرا طبيعيا، وكيف تخلق البيروقراطية العسكرية حقائق موازية.
هناك إشارات إلى صراعات حقيقية، وصناعة الأسلحة، والتلاعب الإعلامي بالحقائق. وأفضل ما في القصة هو سرد كيف تنشأ الرومانسية بين أشخاص مختلفين على ما يبدو. وكيف يغيّر العاشقان الحبكة متى شاءا ليكونا معا. على سبيل المثال، تغير الدور إلى ممثلة أخرى لتكون العروس العراقية في حفل زفاف ينتهي بقتل الجيش الأميركي لجميع الضيوف. تقدم هذه القصة الحقيقة لتصور قسوة وعنف تلك الحرب، مع صور أرشيفية للوحشية التي حدثت في العراق.
العمل يربط بين حرب العراق وسياقات معاصرة، ليطرح سؤالا حول العواقب الجيوسياسية للصراعات، وتأثيرها على مستقبل الإنسانية
تلعب المخرجة بشكل عفوي مع العلاقة المتوترة بين الحرب الحقيقية والحرب المصورة كطريق للمضي قدما. لكنها لا تعرف أبدا إلى أين تذهب أو إلى أي مدى يجب أن تذهب أو ما الذي يجب أن تفعله أو لا يجب أن تفعله، ويبدو أن ممثليها غير متأكدين أيضا، خاصة الممثلة علياء شوكت التي تكافح لإيجاد التوازن الصحيح بين الكوميديا والسخرية.
عالم “أتروبيا” مثير للاستكشاف. ويستند في بعض منه إلى أحداث حقيقية مثلا يعيد استخدام اقتباس لدونالد رامسفيلد. يتجاوز الفيلم الأساليب السريالية ويدخل عالم الواقعية الفائقة. يستخدم الشخصية فيروز العراقية كرمز لبلد تصبح فيه محاكاة الصراع الطريقة السائدة لفهم وتجربة العالم من حولهم. إنها شكل من أشكال الانفصال عن الفوضى التي تسمح للحرب بأن توجد في صندوق نفسي مريح يسهل تقسيمه.
السينما أصبحت أكثر استمرارا في اقتراب هذه الحرب، التي تركت آلاف القتلى وأزمة عدم الثقة داخل وخارج الولايات المتحدة الأميركية. رأينا ذلك في الفيلم الوثائقي المؤثر لمايكل مور “فهرنهايت 11 سبتمبر”، الذي فاز به بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان، ومع عودة رئيس مثل ترامب إلى السلطة، ومع استمرار الحرب في أوكرانيا، وسوريا التي تعاني من الاهتزازات مجددا، ومع وقف إطلاق النار الأخير في غزة، والحرب الأخيرة على إيران، يبرز الفيلم كتحريض ضد الحرب والغزوات العسكرية، والعواقب الجيوسياسة لتلك الصراعات المسلحة.
يمزج فيلم غيتس بين أنواع مختلفة للحديث عن جيل الحروب، وكيف تؤثر الحرب على مستقبل الإنسانية. تحدثت المخرجة عند استلام الجائزة في مهرجان صندانس السينمائي قائلة “هذا الفيلم غريب جدا، لم أكن أظن أن أحدا سيهتم بكوميديا رومانسية تدور أحداثها في مجمع صناعي عسكري، لكن أعتقد أنكم تحبون الضحك على الإمبراطورية الأميركية الهشة أيضا”.
الأسلوب البصري والإخراج
تم تصوير الفيلم بأسلوب يجمع بين الجماليات الوثائقية والتحرير الفوضوي، مستخدمًا كاميرات محمولة ومرشحات حرارية وشاشات منقسمة لمحاكاة المراقبة المستمرة. ويزخر بلحظات كوميدية ناجحة: جنود يتعاملون مع الحرب كمسرحية، وممثلون محاصرون في هويات لا تخصهم.
لكن، رغم قوة الفكرة، لا تتطور بالكامل، إذ يتنقل الفيلم بين السخرية والرومانسية والكوميديا العبثية دون حسم، ما يخفف من حدة رسالته.
استندت غيتس إلى بحث دام أربع سنوات حول قواعد تدريب عسكرية في الولايات المتحدة. وكانت تنوي في البداية تقديم فيلم وثائقي، قبل أن تختار الشكل الروائي. كما ينتقد الفيلم تغطية الإعلام للحرب، ويشير إلى غياب الرواية الموضوعية.
ويربط العمل بين حرب العراق وسياقات معاصرة، ليطرح سؤالًا حول العواقب الجيوسياسية للصراعات، وتأثيرها على مستقبل الإنسانية.
تكمن قوة “أتروبيا” في رفضه الحياد أو التجميل. لا يقدّم شخصياته كأدوات للسخرية فقط، بل كمرآة لتجارب إنسانية معقدة. يقرّ بتعقيدات الحرب، ويطرح سؤالًا مفتوحًا: لماذا خضنا هذه الحروب… وما الذي ما زلنا نفعله حتى اليوم؟