اخبار الإقليم والعالم
إمدادات الغاز نحو أوروبا تواجه ضغطًا جديدًا بعد ضربات قطر
بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، وجدت أوروبا نفسها مضطرة للتخلي عن الغاز الروسي، الذي شكل لفترة طويلة العمود الفقري لإمدادات الطاقة في القارة، فراهنت عدة دول أوروبية على الغاز القطري كبديل سريع وآمن. لكن هذا الرهان بدأ يواجه صعوبات، بسبب الضربات الإيرانية على قطر، واستهداف منشآت الطاقة، ما دفع الدوحة إلى إعلان حالة القوة القاهرة. حاول القطريون التكيف وطمأنة المستهلكين، لكن استمرار الهجمات أجبرهم على تفعيل حالة القوة القاهرة.
وأعلنت شركة قطر للطاقة، الثلاثاء، حالة “القوة القاهرة” في بعض عقود توريد الغاز الطبيعي المسال مع أربع دول، إثر استهداف إيران بعض منشآتها. وقالت الشركة إنه “تم إعلان حالة القوة القاهرة في عقود الغاز الطبيعي المسال مع كل من الصين وإيطاليا وبلجيكا وكوريا الجنوبية”، وفق بيان نقلته وسائل إعلام قطرية، بينها “الجزيرة” و”الشرق”.
وأوضحت الشركة أن “هجمات صاروخية استهدفت مركز رأس لفان الإنتاجي يومي 18 و19 مارس، ما تسبب في أضرار جسيمة شملت وحدتين لمعالجة الغاز الطبيعي المسال، وأخرى لتحويل الغاز إلى سوائل”. وفي 19 مارس، قال وزير الدولة لشؤون الطاقة، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لقطر للطاقة، سعد الكعبي، في بيان للشركة، إن “تلك الهجمات الصاروخية قلصت قدرة قطر على تصدير الغاز الطبيعي المسال بنسبة 17 بالمئة، وتسببت في خسارة إيرادات سنوية تقدر بنحو 20 مليار دولار”.
وأضاف أن الضرر الذي لحق بمنشآت تكلف بناؤها 26 مليار دولار سيؤثر على شحنات الغاز الطبيعي المسال لأوروبا وآسيا لفترة تصل إلى خمس سنوات، وأن “إصلاح الأضرار الجسيمة سيستغرق ما يصل إلى خمس سنوات، ما يضطرنا لإعلان حالة القوة القاهرة طويلة الأمد”. ونوه إلى أن “الهجمات ألحقت أضرارًا بخطين للإنتاج في مرافق الغاز الطبيعي المسال، وهما خطا الإنتاج رقم 4 و6، بطاقة إنتاجية إجمالية تبلغ 12.8 مليون طن سنويًا، أي نحو 17 بالمئة من صادرات قطر”.
وفي 4 مارس، أعلنت شركة قطر للطاقة أنها أبلغت عملاءها بإعلان حالة “القوة القاهرة” إثر توقف الإنتاج تحت وطأة الحرب. ويُقصد بحالة “القوة القاهرة” مادة قانونية في العقود، خاصة طويلة الأمد، تسمح للطرف المورد (قطر للطاقة) بإعفاء نفسه من الالتزامات التعاقدية، مثل تسليم شحنات الغاز في موعدها، دون دفع غرامات، لأسباب خارجة تمامًا عن سيطرة الشركة، مثل الهجمات على منطقتي رأس لفان ومسيعيد.
وتحركت بعض العواصم الأوروبية بسرعة لتأمين مصادر جديدة. على سبيل المثال، قامت جورجا ميلوني، رئيسة الحكومة الإيطالية، الأربعاء، بزيارة إلى الجزائر، إحدى الدول المصدرة الكبرى للغاز، في محاولة لتخفيف ضغوط نقص الإمدادات. وقال وزير الطاقة، جيلبرتو بيكيتو فراتين، يوم الجمعة، إن الجزائر من بين الدول التي تجري إيطاليا محادثات معها لتأمين إمدادات غاز، بعد أن توقفت صادرات قطر مؤقتًا إثر الضربات الإيرانية. وأضاف أن شركات الطاقة الإيطالية التي تديرها الدولة تجري محادثات مع موردين من الجزائر والولايات المتحدة وأذربيجان، فيما تحاول الحكومة دعمها.
وأصبحت الجزائر واحدة من أكبر موردي الغاز لإيطاليا منذ أن عملت روما على إيجاد بديل للغاز الروسي بعد بدء غزو موسكو لأوكرانيا في 2022، وتوفر حاليًا حوالي 30 بالمئة من الاستهلاك السنوي للغاز. وغالبًا ما كانت واردات قطر تغطي نحو 10 بالمئة من استهلاك إيطاليا، لكنها أبلغت شركة إديسون الإيطالية بعد الهجمات الإيرانية بأنها لن تتمكن من الوفاء بالتزاماتها التعاقدية لشهر أبريل. وقالت مجموعة إيني للطاقة، التي تديرها الدولة وتملك عقودًا طويلة الأجل مع الجزائر، إنها تتلقى الكميات وفق شروط العقود الحالية.
والتقت ميلوني بالرئيس الجزائري في يوليو 2025 في روما، حيث جرى توقيع عدة صفقات في قطاعي الطاقة والاتصالات. وتأتي زيارة ميلوني ضمن تحركات أوروبية أوسع، تعكس إدراك صناع القرار الأوروبيين أن الاعتماد على مصدر أو مصدرين يحمل مخاطر استراتيجية كبيرة، خصوصًا مع تقلبات الأسواق الدولية.
وترتفع أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا وآسيا بشكل حاد بعد الضربات المتبادلة بين إسرائيل وإيران، التي استهدفت منشآت الغاز في الخليج، وقد تؤدي إلى زيادة تكاليف الطاقة للمستهلكين. وقد يتجاوز النقص المحتمل في الغاز حدود قطاع الطاقة الصناعي، ليطال حياة المواطنين اليومية، مع احتمال ارتفاع أسعار الكهرباء والتدفئة، خصوصًا مع اقتراب موسم الشتاء. وستواجه الدول التي تعتمد على الغاز لتوليد الطاقة الكهربائية تحديات مزدوجة: تلبية الطلب المنزلي والصناعي مع مخاطر انقطاع الإمدادات.
وبالنتيجة، تبرز أزمة الغاز الأوروبية هشاشة استراتيجية الطاقة في القارة، وتؤكد ضرورة تنويع مصادر الطاقة بشكل عاجل ومستدام. وبينما تبحث الحكومات الأوروبية عن حلول فورية عبر استقدام الغاز من الجزائر ودول أخرى، يبقى السؤال الأكبر: هل يمكن لأوروبا تأمين أمنها الطاقي في السنوات القادمة دون الاعتماد على أسواق غاز متقلبة وجيوسياسية معقدة؟