اخبار الإقليم والعالم
تجربة دينية واجتماعية رائدة لخدمة الجالية المسلمة في مونت لا فيل
عندما نلتقي بالمهندس عبدالعزيز الجواهري، مسيّر مسجد مانت سود، سرعان ما نكتشف شخصية تحمل رؤية واضحة لخدمة الجالية المسلمة في مدينة مونت لا فيل (Mantes-la-Ville)، الواقعة شمال باريس على بعد حوالي خمسين كيلومترًا. فالرجل لا يكتفي بالإشراف على تسيير المسجد في جانبه الديني فحسب، بل يعمل على تحويله إلى فضاء متكامل يجمع بين العبادة والتعليم والعمل الاجتماعي والثقافي.
يقود الجواهري مشروع مسجد مانت سود بروح تنظيمية واضحة، حيث يحرص على الحضور اليومي ومتابعة مختلف الأنشطة التي يحتضنها المسجد طوال أيام الأسبوع. وإلى جانب إقامة الصلوات الخمس، تحوّل المسجد تدريجيًا إلى ما يشبه معهدًا إسلاميًا ينظم على مدار السنة أنشطة تربوية وثقافية، ومعارض فنية، ودروسًا تعليمية متنوعة، إضافة إلى خدمات اجتماعية متنامية تستجيب لاحتياجات المجتمع المحلي.
تنظيم حديث وروح جماعية
من أبرز ما يميز تجربة المسجد اعتماد أساليب تنظيم حديثة في التسيير. فقد نجح الجواهري في استقطاب فريق من المتطوعين من مختلف الجنسيات والفئات العمرية، يعملون بروح جماعية لخدمة هذا المشروع. كما يتم توثيق الأنشطة وأرشفتها عبر الموقع الإلكتروني للمسجد، في خطوة تعكس توجهًا واضحًا نحو الشفافية والاحترافية في إدارة العمل الديني والاجتماعي.
ولا يقتصر دور المسجد على الجوانب التعبدية والتعليمية، بل يمتد ليشمل تقديم خدمات إنسانية للفئات الأكثر هشاشة. فكثيرًا ما يقصد المسجد أشخاص ضاقت بهم السبل بحثًا عن الطعام أو المأوى، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، حيث يجدون الدعم والمساعدة، خاصة خلال فصل الشتاء حين تشتد الحاجة إلى التضامن الإنساني.
رؤية معمارية واجتماعية منفتحة
يمثل مشروع مسجد مانت سود جزءًا من رؤية استشرافية تهدف إلى تحقيق اندماج متناغم للمسلمين في محيطهم الاجتماعي والعمراني. “وقد استلهم القائمون على المشروع تاريخ المساجد في مختلف أنحاء العالم”، حيث لعبت هذه المؤسسات عبر العصور دورًا حضاريًا يتكيف مع البيئة الثقافية والاجتماعية التي توجد فيها.
الجواهري استطاع، من خلال هذا المشروع، العمل على نشر إسلام وسطي معتدل، وتحويل المسجد إلى فضاء للحوار والتواصل
ومن هذا المنطلق “صُمّم المسجد ليكون قريبًا من سكان المدينة ومنسجمًا مع الطابع المعماري المحلي في مونت لا فيل،” بحيث لا يقتصر دوره على كونه مكانًا للعبادة، بل يصبح أيضًا فضاءً للحوار والتعايش بين مختلف مكونات المجتمع.
ومنذ البداية كان الهدف الأساسي للجالية المسلمة في المدينة هو توفير مكان رسمي ولائق لأداء الشعائر الدينية. غير أن تحقيق هذا الهدف لم يكن سهلًا، إذ “واجه المشروع العديد من التحديات، أبرزها معارضة عمدة المدينة في الفترة التي بدأ فيها المشروع يرى النور”.
وقد “تحولت هذه المعارضة إلى معركة قانونية استمرت أربع سنوات، قبل أن تنجح الجالية في نهاية المطاف في كسب القضية وإتمام المشروع”. وكان لهذا الانتصار القانوني والجماعي أثر رمزي كبير، إذ أصبح المسجد يُنظر إليه اليوم بوصفه رمزًا للدفاع عن قيم الجمهورية والتعايش السلمي بين مكونات المجتمع الفرنسي.
فاعل اقتصادي محلي
إلى جانب أدواره الدينية والتعليمية، أصبح مسجد مانت سود فاعلًا اقتصاديًا مهمًا في المنطقة. فالمرافق المختلفة التي يضمها المسجد، مثل مركز التكوين والقطب الاجتماعي، تساهم في “خلق فرص عمل لعدد من الموظفين، فضلًا عن دعم الحركة الاقتصادية المحلية”. ويعتمد تمويل المسجد بشكل رئيسي على تبرعات المصلين، غير أن إدارة هذه التبرعات “تخضع لرقابة دقيقة لضمان الشفافية. إذ يشرف على الحسابات أمين صندوق الجمعية إلى جانب محاسب وخبير محاسبة ومراقبي حسابات مستقلين. كما يتم إيداع التقارير المالية سنويًا لدى الجهات المختصة، وتُعرض بشكل مفصل خلال الجمعيات العامة المفتوحة، في إطار الحرص على الشفافية واحترام القوانين المنظمة للجمعيات الدينية في فرنسا”.
التعليم في صلب رسالة المسجد
يحتل الجانب التعليمي مكانة محورية في نشاط المسجد، من خلال معهد “ألف لام ميم”، الذي تأسس نتيجة الخبرة الطويلة التي راكمها القائمون على المسجد بالتعاون مع كفاءات تعليمية متعددة. “يوفر المعهد بيئة تعليمية مناسبة وآمنة، حيث لا يتجاوز عدد الطلاب في الفصل الواحد ستة عشر طالبًا”، مما يسمح بمتابعة تعليمية أفضل. ويضم المعهد “أكثر من 800 متعلم من الأطفال والبالغين، يشرف عليهم نحو ثلاثين مدرسًا موزعين على عدة قاعات دراسية”.
وتتنوع البرامج التعليمية وفق الفئات العمرية. فالأطفال الصغار، “بين ثلاث وست سنوات، يستفيدون من برنامج ‘النادي الصغير’، الذي يجمع بين التربية والترفيه ويهدف إلى تنمية الوعي الروحي وتعريفهم باللغة العربية”. أما الأطفال “بين ست وخمس عشرة سنة فيلتحقون بـ’نادي الشباب’، حيث يتعلمون أساسيات العقيدة الإسلامية واللغة العربية”.
كما يقدم المعهد برنامج “نادي القرآن”، المخصص لتعليم قراءة القرآن الكريم وإتقان قواعد تلاوته للأطفال ابتداءً من سن أربع سنوات. وفي المقابل، يستفيد البالغون من دورات تعليمية تشمل علوم القرآن والحديث والسيرة النبوية والفقه الإسلامي وتاريخ الإسلام، ضمن مقاربة معاصرة تراعي السياق الاجتماعي الذي يعيش فيه المسلمون في فرنسا.
صُمّم المسجد ليكون قريبًا من سكان المدينة، بحيث لا يقتصر دوره على كونه مكانًا للعبادة، بل يصبح أيضًا فضاءً للحوار والتعايش
التضامن الاجتماعي في قلب الرسالة
يشكل العمل الاجتماعي إحدى أهم ركائز نشاط المسجد، من خلال القطب الاجتماعي المعروف باسم “الصفة”. ويشارك هذا القطب في “عدد من المبادرات التضامنية التي تستهدف مساعدة الفئات الأكثر حاجة في المجتمع. وتشمل هذه المبادرات تنظيم جولات ميدانية لمساعدة المشردين، وتوزيع وجبات غذائية”، وتقديم الدعم للعائلات المحتاجة والأشخاص المعزولين. ويهدف هذا العمل إلى تقديم مساعدات آنية أو طويلة الأمد للفئات الهشة، بما يعزز قيم التضامن والتكافل داخل المجتمع.
مرافقة الحجاج والمعتمرين
ولا يغفل الجواهري وفريقه عن منح جانب مهم في مرافقة المصلين في رحلاتهم الدينية، خصوصًا الحج والعمرة. إذ يقدم المسجد “دورات تدريبية دينية وعملية للتحضير لهذه الرحلات، إضافة إلى دعم تنظيمي وطبي يساعد الحجاج والمعتمرين على أداء المناسك في أفضل الظروف”.
حلم تحقق بعد ربع قرن
بعد انتظار دام أكثر من خمسة وعشرين عامًا “أصبح للمجتمع المسلم في مونت لا فيل مسجدهم الخاص. فقد افتُتح مسجد مانت سود عام 2015 على مساحة تزيد عن ألف متر مربع، ويضم طابقين ومساحة خضراء وعدة مرافق، من بينها قاعات للصلاة وأماكن للوضوء وقاعة متعددة الاستخدامات”. ومع استكمال جميع الأشغال “سيصبح المسجد قادرًا على استقبال ما يصل إلى 1200 مصلٍ”، ما يجعله مؤسسة دينية وتعليمية واجتماعية قادرة على تلبية احتياجات الجالية المسلمة في الحاضر والمستقبل. وهكذا تحوّل مسجد مانت سود، بفضل جهود الجواهري وفريقه، إلى نموذج لمسجد معاصر يجمع بين العبادة والعلم والعمل الاجتماعي، ويعكس صورة إيجابية عن حضور المسلمين ودورهم في المجتمع الفرنسي.
لقد استطاع الجواهري، من خلال هذا المشروع الطموح، العمل على نشر إسلام وسطي معتدل، وتحويل المسجد إلى فضاء للحوار والتواصل عبر أنشطته المتعددة. كما يحيط به فريق من المتطوعين والفاعلين الذين يواصلون التفكير في تطوير المشروع واستشراف مستقبله، ليبقى المسجد فضاءً منسجمًا مع عمران المدينة ومتطلبات المسلمين، ومنفتحًا في الوقت ذاته على المؤسسات الدينية والثقافية المختلفة، بما يعزز الحوار والتعايش مع البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية المحيطة.