اخبار الإقليم والعالم

ثلاث دروس من ليبيا لحرب إيران

وكالة أنباء حضرموت

 تتجه التحليلات الراهنة حول التدخل العسكري البري المحتمل في إيران إلى مقارنتها بتجربة التدخل في ليبيا عام 2011، إلا أن هذه المقارنة، رغم أهميتها، تحتاج إلى تفكيك دقيق لفهم طبيعة الدروس المستخلصة.

وشهد التدخل في ليبيا نجاحًا عسكريًا أوليًا من خلال الحملة الجوية التي قادها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أسفرت عن إضعاف قوات الزعيم الراحل معمر القذافي وإعادة توازن القوى على الأرض لصالح المعارضة.

ولكن النتيجة السياسية كانت كارثية نسبيًا، إذ أدى غياب وضوح الهدف السياسي النهائي إلى انهيار الدولة، وتفكك السلطة، وظهور فوضى أمنية وسياسية عميقة.

وفي ليبيا، لم يكن فشل التدخل نتيجة ضعف القوة العسكرية، بل لغياب استراتيجية واضحة لما بعد سقوط النظام، مما ترك الدولة الجديدة بلا مؤسسات قوية قادرة على إدارة الانتقال السياسي وحماية الاستقرار الداخلي.

ويتعلق الدرس الأول الذي يمكن استخلاصه للمرحلة الإيرانية بتحديد الهدف السياسي النهائي بوضوح. أي حملة عسكرية يجب أن تُبنى على تصور دقيق لما تريد القوى الخارجية تحقيقه بعد الضغط العسكري.

وفي حالة ليبيا، تغير الهدف السياسي خلال العملية من حماية المدنيين إلى الإطاحة بالقذافي، ما أضعف التصميم الاستراتيجي للعملية وأدى إلى فراغ سياسي بعد سقوط النظام.

وبالمثل، إذا كانت أي حملة ضد إيران تهدف إلى الضغط على القيادة أو إجبارها على التفاوض أو إضعاف النظام، يجب أن تكون هناك خطوط واضحة لتوقف التصعيد العسكري والبدء في المسارات الدبلوماسية.

وهذا الوضوح ضروري لتجنب تحويل النجاح التكتيكي إلى فوضى استراتيجية أو انهيار غير منظم للنظام.

وثانيًا، إدارة التحالف الدولي أو الإقليمي تعد عاملًا حاسمًا. التدخلات العسكرية عادة ما تشمل أطرافًا متعددة، ولكل طرف مصالحه الخاصة وأهدافه المختلفة.

وفي ليبيا، على الرغم من وجود تنسيق عسكري بين أعضاء حلف الناتو، إلا أن اختلاف التقديرات حول الهدف النهائي للحملة خلق توترات استراتيجية.

وركزت بعض الدول على حماية المدنيين، والبعض الآخر على الإطاحة بالقذافي، ما أدى إلى صعوبة توافق السياسات بعد نهاية العملية العسكرية.

ولذلك، أي تحرك محتمل في إيران يحتاج إلى توافق شامل بين الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين والدوليين حول تعريف النجاح النهائي، سواء كان ذلك رادعًا للنظام، إجباره على التفاوض، أو إضعافه بما يكفي لإحداث تغيير داخلي.

وثالثًا، التحكم في التصعيد العسكري يمثل محورًا استراتيجيًا أساسيًا. الاعتماد المفرط على القوة الجوية أو العمليات العسكرية المحدودة دون تحديد آليات للسيطرة على التصعيد يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية.

وفي ليبيا، ساهمت الضربات الجوية في كسر تقدم قوات القذافي، لكنها لم تخلق إطارًا سياسيًا مستدامًا، بل مكنت بعض الميليشيات من تعزيز نفوذها، ما أدى إلى حالة من الفوضى استمرت سنوات.

ويحتاج التدخل في إيران إلى استراتيجية متوازنة تجمع بين القوة العسكرية والضوابط السياسية، بحيث تُدار العمليات لتقليل المخاطر على المدنيين، وتوجيه الضغوط نحو الأهداف الاستراتيجية المحددة دون تحفيز انعدام الاستقرار الداخلي بشكل غير محكوم.

والرابع، الربط بين العمليات العسكرية والمؤسسات السياسية في الداخل الإيراني أمر بالغ الأهمية. أي ضغط على النظام يجب أن يُصاحبه تصور واضح لكيفية التعامل مع المؤسسات القائمة بعد انتهاء العمليات العسكرية، خصوصًا الجيش والأجهزة الأمنية والشرطة.

وأظهرت التجربة الليبية أن غياب هذا الربط يؤدي إلى فراغ مؤسسي وظهور صراعات داخلية.

وفي إيران، قد تتطلب السيطرة على مؤسسات الدولة ومراقبة الأداء العسكري والأمني خلال العمليات العسكرية لضمان أن الضغوط لا تؤدي إلى انهيار شامل يضر بالاستقرار الإقليمي.

وخامسًا، إدارة القوى المحلية والفصائل الداخلية في إيران أمر معقد وحساس. التجربة الليبية أبرزت كيف يمكن أن تزداد نفوذ بعض القوى المحلية على حساب الاستقرار العام. في إيران، هناك مجموعة من الفصائل المسلحة وميليشيات الحرس الثوري وقوات الباسيج التي تشكل العمود الفقري للنظام.

في ليبيا، لم يكن فشل التدخل نتيجة ضعف القوة العسكرية، بل لغياب استراتيجية واضحة لما بعد سقوط النظام، مما ترك الدولة الجديدة بلا مؤسسات قوية قادرة على إدارة الانتقال السياسي وحماية الاستقرار الداخلي.

ويتطلب التعامل مع هذه القوى مزيجًا من الضغط العسكري المباشر والضوابط الاستراتيجية التي تحد من قدرتها على زعزعة الاستقرار الداخلي أو توجيه عنف مفرط ضد المدنيين.

وأي غياب للتخطيط الدقيق هنا قد يؤدي إلى تقويض أهداف الحملة ويزيد من خطر التصعيد الإقليمي.

وسادسًا، أهمية التخطيط لما بعد النزاع لا يمكن المبالغة فيها. التدخلات التي تركز فقط على القضاء على عناصر النظام أو إضعافه عسكريًا، دون خطة لإعادة ترتيب السلطة السياسية، غالبًا ما تؤدي إلى فراغ سياسي وفوضى أمنية طويلة الأمد.

وأظهرت تجربة ليبيا أن الحملة العسكرية الناجحة لم تترجم إلى استقرار سياسي، بل ساهمت في انتشار الفوضى وتجزئة الدولة.

وفي السياق الإيراني، يجب أن تتضمن الاستراتيجية العسكرية خطة واضحة لكيفية التعامل مع المؤسسات الحكومية، إدارة المناطق الحيوية مثل المنشآت النووية، ومراعاة العلاقات الدولية لضمان الانتقال السلس نحو أي مرحلة سياسية لاحقة.

وأخيرًا، يمكن استخلاص أن أي تدخل عسكري في إيران يجب أن يكون مبنيًا على تصميم متكامل يربط بين الضغط العسكري والهدف السياسي، ويضمن توافقًا بين التحالفات الدولية والإقليمية، مع تحديد آليات واضحة للتحكم في التصعيد، وربط العمليات بالمؤسسات السياسية لضمان استمرارية الدولة.

النجاح العسكري وحده لا يكفي، ويجب أن يقترن بفهم دقيق للسياسة الداخلية والخارجية، مع وضع استراتيجيات للمرحلة ما بعد العمليات العسكرية.

وتؤكد الدروس المستخلصة من تجربة ليبيا أن قوة السلاح ليست كافية لتحقيق الاستقرار أو النجاح السياسي.

وأي تدخل في إيران يحتاج إلى وضوح الهدف السياسي، توافق التحالف الدولي، ضوابط للتصعيد العسكري، إدارة دقيقة للقوى المحلية، وربط العمليات بالمؤسسات السياسية لضمان استدامة الاستقرار بعد أي حملة.

وستمكن الاستفادة من هذه الدروس صناع القرار من توجيه الضغوط العسكرية بطريقة تحقق أهدافهم الاستراتيجية وتحد من المخاطر المحتملة على الاستقرار الداخلي والإقليمي، مع مراعاة الأبعاد الإنسانية والسياسية والأمنية.

الشرق الأوسط أمام فرصة نادرة لتقليص نفوذ الميليشيات


الولايات المتحدة وإسرائيل: أهداف متباينة في حرب إيران


إربيل تقايض بغداد: تصدير النفط عبر جيهان مقابل ردع الميليشيات


إيران تخشى نجاح ترامب في إنشاء تحالف دولي لتأمين مضيق هرمز