تقارير وحوارات
الإخوان بين السودان واليمن
تصاعد خطر الدور السعودي في إعادة انتاج الجماعات الإرهابية في الجنوب
يتصاعد الجدل في الأوساط السياسية اليمنية حول خطورة الجماعات المرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين في المنطقة، وخصوصاً في اليمن، حيث يمثل حزب الإصلاح الامتداد السياسي والتنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين، في وقت تتزايد فيه الدعوات لإدراج هذه الجماعات ضمن قوائم الإرهاب لما تمثله من تهديد للاستقرار السياسي والأمني في عدد من الدول العربية ومن بينها اليمن.
تعود جذور حزب الإصلاح إلى مرحلة ما بعد تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990م، حين جرى تأسيسه بدعم سياسي وديني واضح، وشكل منذ ذلك الوقت مظلة تجمع التيار الإخواني في اليمن إلى جانب شخصيات قبلية ودينية، وقد أرتبط الحزب بعلاقات وثيقة مع السعودية، حيث أحتضنت - الرياض - قياداته السياسية والدينية، وما تزال شخصيات بارزة في الحزب تقيم داخل الأراضي السعودية وتمارس نشاطها السياسي والإعلامي من هناك.
هذا الارتباط التاريخي جعل حزب الإصلاح (إخوان اليمن) جزءاً من المعادلة السياسية التي استخدمتها السعودية في إدارة الملف اليمني، وهو ما يفسر سعي - الرياض - إلى إبعاد الحزب عن أي تصنيف دولي قد يدرجه ضمن الجماعات الإرهابية، لأن إدراج الحزب في مثل هذه القوائم سيضعف أدواتها السياسية في اليمن، ويقيد من قدرتها على توظيفه ضمن حساباتها الإقليمية.
وعلى خلاف ذلك، برز دور دولة الإمارات العربية المتحدة في مواجهة التنظيمات الإرهابية في الجنوب اليمني منذ عام 2015م، حيث دعمت قوات عسكرية جنوبية في معارك واسعة ضد تنظيمي (القاعدة وداعش) في محافظات عدن وأبين وشبوة وحضرموت، حيث أسهم هذا الدعم في تحرير مناطق واسعة كانت خاضعة لنفوذ الجماعات المتطرفة، وإنهاء وجودها العلني في عدد من المدن الجنوبية، لتبدأ مؤشرات عودتها من جديد إلى المشهد اليمني.
القوات الجنوبية التي خاضت تلك المواجهات تمكنت من تفكيك شبكات إرهابية خطيرة والقضاء على عدد من القيادات المتشددة، وهو ما شكل تحولاً مهماً في المشهد الأمني في الجنوب بعد سنوات من انتشار "تنظيم القاعدة" وتمدد الجماعات المتطرفة في تلك المناطق.
غير أن التطورات الأخيرة تشير بوضوح إلى محاولات – الرياض - لإعادة تشكيل المشهد العسكري والأمني في الجنوب عبر خطوات تستهدف تفكيك وإضعاف القوات الجنوبية التي واجهت الإرهاب خلال السنوات الماضية.
هذه التحركات ترافقت مع عودة عناصر محسوبة على حزب الإصلاح إلى مواقع عسكرية وأمنية، إضافة إلى إعادة بروز شخصيات ارتبطت سابقاً بـ"تنظيم القاعدة" والتيارات المتشددة، الأمر الذي يعيد إنتاج بيئة أمنية خطيرة قابلة للانفجار في الجنوب مجدداً.
حيث أن إعادة تمكين هذه الشخصيات الإخوانية داخل المؤسسات العسكرية والأمنية في اليمن، وتحديداً في مناطق الجنوب، قد يفتح المجال أمام عودة التنظيمات المتطرفة إلى الواجهة، ولاسيما أن هذه الجماعات مازالت تبحث عن موطئ قدم داخل المناطق التي شهدت مواجهات سابقة معها.
ويقدم النموذج السوداني مثالاً واضحاً على المخاطر التي يمكن أن تنتج عن تمكين جماعات الإخوان من مفاصل الدولة، فقد تمكن التيار الإخواني في السودان من السيطرة على السلطة منذ انقلاب عام 1989م بقيادة عمر البشير وبدعم فكري وتنظيمي من الحركة الإسلامية المرتبطة بالإخوان المسلمين.
وخلال العقود التي تلت ذلك، جرى توظيف الدولة ومؤسساتها لخدمة مشروع أيديولوجي، ما أدى إلى عزلة السودان الدولية وتدهور اقتصاده وتفكك بنيته السياسية والاجتماعية، إضافة إلى تصاعد الصراعات الداخلية.
كما تحولت البلاد خلال تلك الفترة إلى بيئة مفتوحة لعدد من الجماعات المتشددة، وارتبط اسم السودان في تسعينيات القرن الماضي باستضافة شخصيات وتنظيمات متطرفة، الأمر الذي أدى إلى إدراج السودان لسنوات طويلة ضمن قوائم الدول الراعية للإرهاب، وأخرها التوجه الأمريكي بإدراج جماعة (إخوان السودان) ضمن قوائم الإرهاب.
مطالب إسقاط هذه التجربة على الحالة اليمنية بتصنيف إخوان اليمن ضمن سياق الإرهاب، يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل القوى المرتبطة بالفكر الإخواني المتشدد داخل المشهد السياسي والعسكري، خصوصاً في ظل استمرار دول إقليمية من بينها السعودية توظيف هذه الجماعات في الصراعات الإقليمية.
خطورة جماعة الإخوان المسلمين لا تقتصر على نشاطها السياسي المباشر، بل تمتد إلى التأثير الفكري والتنظيمي الذي تمارسه داخل المجتمعات العربية، حيث اعتمدت لعقود على شبكات الجمعيات الخيرية والمؤسسات الدعوية كغطاء لنشر أفكارها الأيديولوجية، وبناء نفوذ اجتماعي وسياسي واسع.
وقد استخدمت هذه الشبكات في كثير من الحالات لاستقطاب الشباب وتوجيههم فكرياً ضمن مشروع سياسي قائم على توظيف الدين في العمل الحزبي، وهو ما أدى في بعض البيئات إلى خلق بيئة فكرية متشددة تتداخل فيها الخطابات الدينية التعبوية مع المشاريع السياسية والتنظيمية.
المشهد اليمني وخصوصاً في الجنوب، يقف اليوم أمام مفترق طرق حساس، فما تقوم به - الرياض – في محاولة إضعاف القوى الجنوبية التي واجهت الإرهاب على الأرض، وفتح المجال أمام التيارات المؤدلجة أو الشخصيات المرتبطة بالتنظيمات المتشددة قد يعيد إنتاج البيئة نفسها التي سمحت سابقاً بتمدد (القاعدة وداعش).
وفي ظل هذه التعقيدات فإن إدراج الجماعات التي تستخدم الدين كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية ضمن قوائم الإرهاب، بما في ذلك الكيانات المرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين في اليمن، يطرح نفسه كأحد الخيارات المطروحة لمنع تكرار التجارب التي قادت دولاً أخرى إلى الفوضى والانهيار، كما حدث في النموذج السوداني، ويراد إعادة إنتاجه في اليمن من خلال السياسات الواضحة التي تمارسها السعودية بتدمير وتقويض دور القوات الجنوبية التي سعت في وقت سابق في تطهير الآراضي الجنوبية من التنظيمات الإرهابية.