اخبار الإقليم والعالم
حصار أمريكي وأزمة خانقة في كوبا.. «الانحدار البطيء» سيد الموقف
مشردون في العاصمة الكوبية هافانا
تواصل كوبا الصمود في وجه أسوأ أزمة اقتصادية منذ التسعينيات، مستندة إلى خبرة متراكمة في إدارة التدهور، رغم توقعات الانهيار السريع.
ووفقا لمجلة فورين بوليسي، تعاني الجزيرة من اختناق اقتصادي غير مسبوق بدءا بقطاع سياحة لم يتعافَ من جائحة كورونا، وتضخم جامح، وصولا إلى نقص حاد في السلع الأساسية.
وغادر نحو مليون كوبي البلاد خلال السنوات الأخيرة، أي عُشر السكان، في موجة هجرة قياسية.
كما يتكرر انقطاع التيار الكهربائي، مع تحذيرات حكومية من نقص في وقود الطائرات قد يستمر شهراً، ما دفع بريطانيا وكندا إلى تحذير رعاياها من السفر إلى البلاد.
وتشير استطلاعات مستقلة إلى أن الغالبية العظمى من الأسر تعيش في فقر مدقع، مع اضطرار كثيرين لتقليص وجباتهم. لكن هذه المعاناة لا تترجم إلى حراك سياسي واسع، إذ ينشغل المواطنون بتأمين احتياجاتهم اليومية في ظل إنهاك اجتماعي متراكم.
وتمثلت الضربة الأشد في فقدان الدعم النفطي الفنزويلي، الذي كان شريان الحياة الرئيسي لهافانا منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.
وبعد الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو، توقف تدفق النفط المخفّض الذي كان يبقي الاقتصاد على قيد الحياة. وتزامن ذلك مع جولة عقوبات أمريكية جديدة، بعد توقيع ترامب أمراً تنفيذياً يصف الحكومة الكوبية بأنها "تهديد استثنائي" للأمن القومي.
الحصار
رغم الخسائر الفادحة التي يتكبدها الاقتصاد الكوبي جراء العقوبات والتي تقدّرها هافانا بمليارات الدولارات سنوياً، لكنها وفّرت في المقابل غطاء سياسياً ثميناً للنظام. إذ تقدم كوبا نفسها كـ"نمر اشتراكي" في مواجهة "ماموث رأسمالي"، وتصوّر المعاناة ثمناً للصمود الوطني لا نتيجة اختلالات الاقتصاد الموجّه.
ووصف خبراء الأمم المتحدة القيود الأمريكية الأخيرة (الحصار البحري) بأنها "شكل متطرف من الإكراه الاقتصادي الأحادي"، مما يمنح النظام ذريعة لتعزيز تماسكه الداخلي.
ومنذ انهيار الدعم السوفياتي، تأرجحت السياسة الاقتصادية الكوبية بين انفتاح حذر وانغلاق سريع. ففي عهد الرئيس الأسبق راؤول كاسترو، شهدت البلاد إصلاحات محدودة شملت توسيع القطاع الخاص والسماح ببعض المعاملات العقارية، خصوصاً خلال فترة التقارب مع إدارة باراك أوباما.
لكن كل موجة إصلاح أعقبها تثبيت قبضة الدولة، ما أنتج ركوداً مزمناً بدلاً من تحول هيكلي شبيه بالتجربتين الصينية أو الفيتنامية. والنتيجة اليوم نظامٌ يتكيّف بالقدر الكافي للبقاء، دون أن يغامر بإضعاف سيطرة النخبة الحاكمة.
ومنذ عام 2020، انخفض عدد سكان كوبا بأكثر من مليون نسمة، فيما تجاوزت نسبة من هم فوق 60 عاماً ربع السكان. هذه التحولات الديموغرافية تعمّق الأزمة الاقتصادية، لكنها في الوقت نفسه تخفف احتمالات الانفجار السياسي.
فالهجرة تستنزف الفئات الأكثر حيوية وقدرة على الاحتجاج، بينما يميل المجتمع الأكبر سناً إلى الاستقرار النسبي. والنتيجة مفارقة لافتة: مجتمع أكثر هشاشة اقتصادياً، لكنه أكثر استقراراً سياسياً.
ورغم التصريحات المتفائلة في واشنطن بأن كوبا “على وشك الانهيار”، فإن معظم المراقبين المخضرمين للشأن الكوبي يستبعدون سيناريو السقوط السريع. فالنظام الذي صمد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتجاوز أزمات متتالية، يمتلك خبرة طويلة في إدارة التدهور.
لا يعني ذلك أن الانهيار مستحيل؛ فصدمة كبرى، مثل توقف مفاجئ للتحويلات الخارجية أو انهيار شامل للبنية التحتية، قد تدفع البلاد إلى نقطة اللاعودة. لكن في المدى المنظور، يبدو المسار الأكثر ترجيحاً هو استمرار الانحدار البطيء.