اخبار الإقليم والعالم
«جدام».. القنبلة الذكية التي غيّرت قواعد القصف الجوي
على مدى عقود طويلة من تاريخ الطيران العسكري، ظل القصف الجوي يعتمد في الأساس على قنابل «بسيطة» غير موجهة، تفتقر إلى الدقة وتعتمد إلى حد كبير على مهارة الطيار والظروف الجوية.
وكان التوجيه الدقيق، إن توفر، إما محدودًا تقنيًا أو مرتفع التكلفة إلى درجة تمنع استخدامه على نطاق واسع. هذا الواقع تغيّر جذريًا مع ظهور ذخائر الهجوم المباشر المشترك، المعروفة اختصارًا باسم "جدام"، التي أعادت تعريف مفهوم القصف الجوي الدقيق دون الحاجة إلى تطوير قنابل جديدة كليًا، بحسب موقع "ناشونال انترست".
لم تأتِ "جدام" كثورة تكنولوجية معقدة، بل كحل عملي ذكي يقوم على إضافة التوجيه إلى القنابل التقليدية الموجودة بالفعل في المخازن.
وبهذا النهج، نجحت البحرية والقوات الجوية الأمريكية في تحويل ذخائر منخفضة التكلفة إلى قنابل «ذكية» عالية الدقة، تعمل في مختلف الظروف الجوية، وبكلفة أقل بكثير من الذخائر الموجهة المتقدمة، ما جعل جدام أحد أكثر أنظمة التسليح استخدامًا وتأثيرًا في الحروب الحديثة.
وعلى عكس الاعتقاد الشائع، فإن "جدام" ليست قنبلة بحد ذاتها، بل هي أنظمة توجيه تضاف إلى القنابل غير الموجهة، وقد طُوّر النظام بشكل مشترك بين البحرية والقوات الجوية الأمريكية، وهو ما يفسر تسميته.
وتتوافق هذه الأنظمة مع قنابل بأوزان مختلفة، تشمل 500 و1000 و2000 رطل، وتُستخدم على نطاق واسع من قبل الولايات المتحدة وعدد كبير من حلفائها، وتكمن جاذبية "جدام" في بساطتها وسهولة دمجها، إضافة إلى قدرتها على توفير دقة عالية بتكلفة رخيصة.
وتتكون مجموعة "جدام" من وحدة توجيه تُركّب في مؤخرة القنبلة، مزودة بزعانف تحكم، ونظام تحديد المواقع العالمي كنظام توجيه أساسي، إضافة إلى نظام الملاحة بالقصور الذاتي يعمل كخيار احتياطي.
قبل الإطلاق، تُبرمج القنبلة بإحداثيات الهدف، وبعد انفصالها عن الطائرة، تطير بشكل مستقل بالكامل. ويقوم نظام تحديد المواقع العالمي بتحديث مسار القنبلة باستمرار لتعويض تأثيرات الرياح وأخطاء الإطلاق، بينما يضمن نظام نظام الملاحة بالقصور الذاتي استمرار الدقة في حال تعرض إشارات تحديد المواقع العالمي للتشويش.
وعلى الرغم من أن جدام لا تمتلك باحثًا طرفيًا للتوجيه النهائي، فإن دقتها النموذجية تتراوح بين خمسة وعشرة أمتار من نقطة الهدف، وهو هامش يُعد كافيًا لمعظم الأهداف العسكرية.
وتعكس فلسفة تصميم "جدام" توجّهًا واضحًا نحو الاعتمادية وخفض التكاليف. فالنظام يخلو من أجهزة استشعار تصويرية، أو وصلات بيانات معقدة، أو أنظمة دفع مستقلة. وبدلًا من ذلك، يعتمد على أجهزة الاستشعار الموجودة في الطائرة، وعلى التخطيط المسبق للضربة.
هذه البساطة جعلت قذائف جدام قابلة للاستخدام ليلًا ونهارًا، وفي الأحوال الجوية السيئة، كما سمحت بإنتاجها بكميات كبيرة وبسرعة، مستفيدة من المخزون الضخم للقنابل التقليدية دون الحاجة إلى تعديلات جذرية على الطائرات الحاملة.
عمليًا، استخدم الجيش الأمريكي قنابل جدام على نطاق واسع ضد الأهداف الثابتة، مثل البنية التحتية العسكرية، والمخابئ، والمنشآت المحصنة. ويتطلب الاستخدام الفعال لهذا النظام توفر إحداثيات دقيقة، ما يجعل جدام غالبًا جزءًا من منظومة متكاملة تشمل الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، أو الاعتماد على مراقبين متقدمين على الأرض.
كما تسمح إمكانية إطلاق جدام من ارتفاعات متوسطة إلى عالية بتنفيذ الضربات من خارج نطاق العديد من أنظمة الدفاع الجوي، ما يقلل المخاطر على الطائرات.
برغم ذلك، لا يخلو نظام جدام من نقاط ضعف، إذ يعتمد بدرجة كبيرة على نظام تحديد المواقع العالمي، ما يجعله عرضة للتشويش أو التزييف في بيئات الحرب الإلكترونية المتقدمة.
كما أن غياب الباحث الطرفي يحد من قدرته على التعامل مع الأهداف المتحركة أو التغيرات المفاجئة في موقع الهدف. ولهذا، يبقى النظام أكثر فعالية ضد الأهداف الثابتة أو المخطط لها مسبقًا، ويتطلب دعمًا استخباراتيًا دقيقًا لتحقيق أفضل النتائج.
ورغم هذه القيود، تعمل الولايات المتحدة باستمرار على تطوير النظام، عبر تحسين قدرات الملاحة بالقصور الذاتي، وتعزيز مقاومة نظام تحديد المواقع العالمي للتشويش، بما يوسّع من نطاق استخدام جدام في النزاعات المستقبلية.
وبالنظر إلى انخفاض تكلفتها وفعاليتها العالية، يُرجّح أن تظل أنظمة "جدام" عنصرًا أساسيًا في الترسانة الجوية، خاصة في ظل الحاجة المتزايدة إلى تحقيق دقة عالية على نطاق واسع وبتكاليف يمكن تحمّلها.