اخبار الإقليم والعالم
رغم الهدنة.. إسرائيل «تدمر» غزة مبنى تلو الآخر
كشف تحليل حديث عن تدمير إسرائيل لما يزيد عن 2500 مبنى في غزة منذ بدء سريان الهدنة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
التحليل الذي أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية استنادا إلى صور أقمار صناعية عالية الدقة، لا يثير التساؤلات حول مصير الهدنة الهشة فحسب، بل يكشف أيضاً عن فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي في إسرائيل حول "نزع سلاح حماس" والحقيقة الميدانية المتمثلة في عمليات هدم منهجية واسعة النطاق.
قصة مختلفة
وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، انسحبت القوات الإسرائيلية إلى خطوط محددة داخل القطاع، تُظهرها الخرائط العسكرية الإسرائيلية باللون الأصفر، تاركةً نحو نصف مساحته تحت سيطرتها. ووفق التحليل، تركزت غالبية عمليات الهدم داخل هذه المناطق.
ومع ذلك، تقدم الصور الفضائية التي التقطتها شركة "بلانيت لابس" دليلاً مقلقاً: فقد تم تدمير عشرات المباني أيضاً خارج هذه الحدود، في مناطق من المفترض أن تكون خاضعة لسيطرة حماس وخالية من العمليات العسكرية.
ففي حي الشجاعية شرق مدينة غزة، على سبيل المثال، أظهرت لقطات التقطت ليل 30 أكتوبر/تشرين الأول عملية هدم منظّمة. وبينما كانت المنطقة لا تزال تحوي تجمعات من المباني سليمةً نسبياً بعد بدء الهدنة، تحولت بعد أشهر إلى مساحات شبه مقفرة، مع دمار امتد لمبانٍ تبعد حوالي 275 متراً عن خط الانسحاب المتفق عليه.
مبرر أمني في مواجهة "محو ممنهج"
وتقدم إسرائيل تفسيراً واحداً لهذه العمليات هو تدمير البنى التحتية العسكرية تحت الأرض، وتؤكد أن هذه الإجراءات تستهدف "أنفاقاً ومبانٍ مفخخة" كجزء من استراتيجية شاملة لـ"نزع سلاح غزة". وتستدل بالخرائط الاستخباراتية التي تُظهر، كما تنقل "نيويورك تايمز"، شبكة أنفاق واسعة في الشجاعية وعشرات المواقع المشتبه بتفخيخها.
ويزعم مسؤول عسكري إسرائيلي، اشترط عدم الكشف عن هويته، أن بعض الانهيارات ينتج عن تفجير أنفاق تقع أسفل المباني، وأن سلاح الجو يستهدف منشآت "تشكل تهديداً"، معترفاً بأن العمليات نفذت على جانبي خط الانسحاب.
لكن هذا المبرر يصطدم برواية سكان غزة وتحليلات مستقلة ترى في الأمر تدميراً غير انتقائي. فيقول المحلل السياسي في غزة، محمد الأسطل، إن ما يجري هو "محو لمناطق كاملة من الخريطة"، معتبراً أنه "لا مبرر أمنياً لهذا الدمار الواسع".
هذا الرأي يتقاطع مع شهادة شاؤول أرييلي، القائد العسكري الإسرائيلي السابق في غزة، الذي يصف العمليات بأنها "دمار شامل، وليس تدميراً محدوداً أو انتقائياً".
تناقض مع بنود اتفاق غزة
ويضع هذا النشاط العسكري المستمر اتفاق وقف إطلاق النار في مأزق قانوني وسياسي. فمن ناحية، تنص خطة السلام الأمريكية المكونة من 20 بندا - والتي شكلت أساس الاتفاق - على "تدمير جميع البنى التحتية العسكرية والإرهابية".
ومن ناحية أخرى، تنص بوضوح على تعليق "جميع العمليات العسكرية، بما في ذلك القصف الجوي والمدفعي". وتعتبر حركة حماس، أن عمليات الهدم "انتهاك صريح" للاتفاق.
كما تكشف الصور الفضائية عن اختفاء أحياء كاملة في شرق غزة، بالإضافة إلى تدمير مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والبيوت البلاستيكية، مما يهدد المقومات الأساسية للحياة في القطاع.
ويبقى السؤال الملح: هل يجري استخدام "نزع السلاح" كغطاء لتحقيق أهداف تتجاوز الأمن المباشر؟ وكيف يمكن لأي عملية إعادة إعمار مستقبلية أن تبدأ في ظل استمرار اختفاء معالم الأرض وذاكرة المكان؟ الأجوبة تبدو، مثل مباني غزة، تحت الأنقاض.