تقارير وحوارات
حرب المعلومات السعودية في الجنوب: التضليل يصطدم بالواقع
لم تعد المعركة على الجنوب تُدار في الميدان وحده، بل انتقلت بثقلها إلى فضاء آخر لا تقل فيه الخسائر عمقًا: فضاء المعلومات. هنا، لا تُطلق الصواريخ، بل تُضخ الروايات، ولا تُحتل المواقع، بل تُحتل العناوين. غير أن ما تراهن عليه السعودية في هذا الفضاء — التضليل، التكرار، والخلط المتعمد — يصطدم بعائق جوهري: الواقع الصلب على الأرض.
حرب المعلومات الحالية ليست دفاعًا عن أمن أو شرحًا لوقائع، بل محاولة لإعادة تشكيل الإدراك العام. تُبنى سرديات جاهزة، ثم تُعاد تدويرها عبر منصات متعددة، لتتحول من ادعاء إلى "رأي شائع". تكثيف الرسائل، تناقضها، وإغراق الحقيقة بالضجيج هي آلية تهدف إلى إرهاق المتلقي الذهني، لكنها تفشل عندما يكون الواقع أبسط من أن يُشوَّه.
الروايات السعودية الأخيرة مثال واضح على ذلك: تفاصيل كثيرة، إثباتات معدومة. أسماء تُذكر دون سند، ومسارات تُرسم بلا وثائق. الهدف ليس الإقناع، بل تشويش الصورة. حين تعجز السردية عن مواجهة الواقع، تُغرقه بالضجيج، لكن الضجيج مهما ارتفع لا يُنتج بديلًا للواقع، بل يكشف هشاشتها.
في قلب هذا الاستهداف تقف القيادة الجنوبية، وعلى رأسها عيدروس الزُبيدي. ليس لأنه غائب عن المشهد، بل لأنه حاضر بقوة. حرب المعلومات تحاول إزاحة هذا الحضور معنويًا بعد فشل محاولات الإزاحة سياسيًا أو ميدانيًا. حين تُفبرك قصص "الهروب" و"التواطؤ"، فذلك لأن وجود القيادة على الأرض يُفشل الرواية من أساسها.
الأخطر أن هذه الحرب تُدار باندفاع، فكل بيان متناقض، وكل قصة تُكشف هشاشتها، يقلل مصداقية المصدر. في عصر التحقق السريع، يصبح التضليل سلاحًا ذا حدين: من يستخدمه بلا حساب يجرح نفسه أولًا.
استخدام اسم التحالف في هذا السياق يضاعف الخسارة. بدل أن يكون إطارًا جامعًا، يتحول إلى ملصق دعائي لتوسيع انتشار الرواية. الأسئلة تتكاثر: لماذا يحتاج بيان "حقيقي" لكل هذا الغطاء؟ ولماذا تُساق الاتهامات بلا وثائق؟
الأخطر أن حرب المعلومات هذه لا تتوقف عند الجنوب. أي تضليل رسمي يُربط بالأمن والملاحة البحرية يُفسَّر خارجيًا كتهديد للاستقرار في البحر الأحمر والإقليم ككل. إقحام الإمارات في هذه السرديات يعكس محاولة رفع الكلفة السياسية، لكن النتيجة غالبًا عكسية: توسيع دائرة الشك بدل الإدانة.
في المقابل، يقف المجلس الانتقالي الجنوبي على أرضية واقعية: وجود سياسي، حضور شعبي، وإدارة فعلية. هذه العناصر لا يمكن محوها بحملة إعلامية مهما كثفت. حرب المعلومات تنجح حين تواجه فراغًا؛ لكنها تفشل أمام واقع متماسك.
الرهان السعودي على الدعاية كأداة هيمنة ناعمة يبدو قصير النظر. الهيمنة الإعلامية لا تدوم إذا لم تُسندها حقائق، وكلما طال أمد التضليل، ازدادت كلفته السياسية. المصداقية، حين تتآكل، لا تُستعاد بسهولة، لا بالبيانات ولا بالتكرار.