سيناريو سلمي سبق غضب الجرارات في فرنسا
لم تنطلق شرارة غضب المزارعين الفرنسيين بشكل عنيف ومُخلِّ بالنظام كما يحدث أخيراً، بل بدأت بسيناريو سلمي ورمزي، تمثّل في قلب لوحات إشارات دخول البلديات رأساً على عقب في جميع أنحاء فرنسا.
في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام المنصرم، تحرك المزارعون الفرنسيون سلمياً، وفي خلال أيام قليلة، انقلبت آلاف اللوحات الإرشادية رأسًا على عقب، في جميع أنحاء فرنسا حيث تم تحريكها، وإعادة تركيبها بشكل معاكس.
وأتت الخطوة بدعم من الاتحاد الوطني للنقابات الفلاحية (FNSEA) والشباب الفلاحين (JA) بهدف جذب انتباه السلطات إلى مطالبهم والتنديد بالسياسة الزراعية التي وصفوها بأنها "تسير عكس الاتجاه" واحتجاجا على قضايا وأزمات تواجههم خصوصاً تخزين المياه والضريبة على وقود الجرارات والتأخير في دفع الإعانات الزراعية، فضلا عن الشعور بالخضوع للمعايير الوطنية أو الأوروبية باسم "التحول البيئي"، والتي تعتبر مرتفعة للغاية.
المزارعون أكّدوا حينها أنهم اختاروا أسلوبًا لا يزعج أحدًا وأن الفرصة أتيحت لهم للتحدث عن مطالبهم في وسائل الإعلام ووصلت مخاوفهم إلى أذني الحكومة. لكنهم حذروا في المقابل من أن غضبهم قد يتطور ويتحول إلى مواجهات أكثر توترًا إذا لم تستمع السلطات إليهم.
وهذا بالفعل ما حصل لاحقاً على الرغم من اجتماع مثمر مع رئيسة الوزراء السابقة إليزابيث بور، وإعلان الحكومة تقديم تنازلات، إلا أن ما طُرح لم يكن كافياً بالنسبة للمزارعين ولم يوافق مع تطلعاتهم.
وبالفعل، في 18 يناير/ كانون الثاني، تحوّل الحراك السلمي إلى أعمال شغب وانطلقت احتجاجات المزارعين عبر إغلاق إحدى الطرق السريعة في جنوب غرب البلاد، تسبب المزارعون الفرنسيون باضطراب كبير في جميع أنحاء البلاد من خلال إقامة حواجر على الطرقات السريعة، وإشعال النيران في الإطارات والمخلفات وإلقاء السماد خارج المخازن المحلية.
ومع تصاعد غضب المزارعين، توسّع نطاق احتجاجهم الذي بدأ من منطقة "لوت-ايه-جارون" جنوب غرب فرنسا، حيث دخلت الجرارات إلى مدن عدة، وانتشرت أيضًا في إقليم "بيرينيه أورينتال" بالجنوب وهدد الغاضبون أيضاً بالتوجه إلى العاصمة باريس وإغلاق الطرق المؤدية إليها، في ما أسموه بـ "حصار باريس"، إذا لم يتم تلبية مطالبهم. السلطات الفرنسية المربكة، بدأت حملة إعتقالات حيث وصل عدد الموقوفين من المزارعين الفرنسيين الأربعاء إلى 79 موقوفاً وقامت الشرطة بوضعهم في الحجز المؤقت.
من جهة أخرى، أعلن وزير الزراعة الفرنسي مارك فينو عن حزمة دعم مالية بقيمة 80 مليون يورو سيتم دفعها لمزارعي الكروم المتضررين من الكوارث المناخية.
وبعد مرور خمسة أيام على بداية الاحتجاجات، عُقِدَ اجتماع بين رئيس الحكومة الفرنسية، جابرييل أتال، ورئيس الاتحاد الوطني لنقابة الزراعيين، أرنو روسو، ورئيس نقابة المزارعين الشباب، أرنو جولو، بحضور وزير الزراعة. وتمت مناقشة سبل احتواء احتجاجات المزارعين المتواصلة.