العراق صندوق بريد.. رسائل نارية وأخرى دبلوماسية!

وكالة أنباء حضرموت

يبدو أن كمّ التفاؤل الذي يروجه مؤيدو الوضع السياسي الحالي في النهار، يكسره تشاؤم يحدث في ليل العراق عبر القصف المتبادل بين الفصائل المسلحة والقوات الأميركية في حدث بات يتكرر بشكل شبه يومي في الأسابيع الأخيرة.

فبعد ليلة قصف الطائرات الأميركية مواقع للحشد الشعبي العراقي في منطقة جرف الصخر زحمة رسائل داخلية وأميركية!

الإعلام العراقي نشر بياناً عن حزب الدعوة الذي يتزعمه نوري المالكي، تعليقا على القصف الأميركي ذُكر فيه، "تفاقم الأزمة يهدد النظام السياسي برمته" أما ائتلاف النصر بزعامة حيدر العبادي فقد نشر ما أسماه مبادرة سياسية لفك الاشتباك العسكري في العراق يعتمد على عدة نقاط، أهمها انسحاب مجدول للقوات الأميركية وكذلك منع الاعتداء على البعثات الدبلوماسية والعسكرية الاجنبية، وبالمقابل منع الاعتداءات الخارجية على العراق، وتحييد العراق عن أي صراع عسكري في المنطقة وغيرها من النقاط المذكورة في بيان ائتلاف النصر.


ذلك بعد أعلن وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين على منصة X عن تلقيه رسالة من الحكومة الأميركية سلمتها له السفيرة الأميركية، وقال الوزير إن الحكومة ستدرس هذه الرسالة وما جاء فيها بشكل معمق وسيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة بخصوصها.


ويرى مراقبون، أن توقيت بيان حزب الدعوة وبيان ائتلاف النصر قبل ساعات قليلة من إعلان وزير الخارجية عن تلقيه الرسالة الأميركية، يشي بأن الرسالة فيها ما يكفي من تفاصيل ربما تكون ذات تداعيات خطيرة قد علم بها هذين الطرفين وغيرهما، وهو ما دفع الحزبين المذكورين إلى طرح الموقفين من أجل النأي بالنفس عما يحدث من ضربات الفصائل على القواعد العسكرية الأميركية، عكس بيان منظمة بدر الذي كان متشدداً نوعا ما، وكان بالتزامن مع جميع هذه المواقف.


بطبيعة الحال فإن تضارباً في الأنباء حول ماهية هذه الرسالة، بين دعوة أميركية لحوار جديد حول جلاء القوات الأميركية، أو أنها رسالة تهديد بسبب الضربات المستمرة من الفصائل وعدم استطاعة الحكومة العراقية السيطرة عليها ووقفها.

تداعيات الرسائل النارية!

وفي حديث لـ “جسور" يقول المحلل السياسي والأكاديمي رئيس مركز التفكير السياسي في العراق الدكتور إحسان الشمري، رداً على سؤال عن الآثار المستقبلية لاستمرار الأزمة الأمنية بين الفصائل والولايات المتحدة الأميركية: "لا آثار تترتب على العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية والعراق على المستويات السياسية والدبلوماسية، بغداد لا زالت متمسكة بعلاقاتها مع واشنطن بالشكل الذي يدفع باستمرار حالة التوازن في التعاطي مع ثنائية التعامل مع الولايات المتحدة الأميركية وإيران، لكن على مستوى العلاقة بين الفصائل المسلحة من جهة و بين الولايات المتحدة الأميركية من جهة اخرى، فإن الوضع ذاهب نحو التعقيد والتصعيد، خصوصاً اذا علمنا أن هذه الفصائل التي أعلنت صراحةً عن مناهضتها للولايات المتحدة الأميركية

 قد وضعت في حساباتها خروج القوات الأميركية بغض النظر عن استمرار أو انتهاء وانطفاء نار الحرب في غزة، فالأمر أصبح شعاراً إيرانياً عنوانه إخراج أميركا من المنطقة، هذا الشعار الذي نشأ منذ اغتيال قاسم سليماني في بغداد مطلع عام 2020 ".


ويضيف الشمري، "من المحتمل جدًا أن تستمر الفصائل بالضغط وذلك لضمان حدوث جدولة انسحاب القوات الأميركية، وهذا أمر مرضي لهذه الفصائل بطبيعة الحال، لكن في حال غامرت حكومة محمد شياع السوداني بإيجاد انسحاب عسكري أميركي سريع، فستكون مغامرة لها ارتدادات سياسية وأمنية واقتصادية."

عودة العزلة الدولية والهاجس السُني والكردي..

وحول تداعيات الانسحاب الأميركي غير المدروس أو السريع، يقول الشمري " إن أي انسحاب من هذا النوع، ستكون له عواقب أهمها عدم اهتمام الولايات المتحدة الأميركية بالشأن العراقي وبداية مرحلة العزلة للعراق، خصوصاً أن الانسحاب الأميركي يعني انسحاب كل البعثات الغربية الأخرى، كذلك سيخلق هاجساً حقيقياً عند الكرد والسُنة وربما هذا ما سيدفع إلى إعادة فكرة الاقليم السُني، ومن جهة أخرى ستعود فكرة الدولة الكردية المستقلة أو الكونفدرالية لإقليم كردستان".

وعن احتمالية وجود شرخ داخل الإطار التنسيقي بسبب هذه الضربات المتبادلة، فبحسب الشمري " أن الشرخ داخل الإطار موجود بالأساس، فنحن الآن نتحدث عن وجود أربعة فصائل مسلحة، وسط خلاف داخل الإطار التنسيقي بين فريق يريد التهدئة والتفاهم وبقاء الولايات المتحدة الاميركية، وبين فريق آخر في الإطار يريد التصعيد، ولذلك لم يخرج بيان رسمي موحد عنهم يمكن أن يمثل رؤية الجميع".
وتابع: "الولايات المتحدة الأميركية هي التي تحمي رسمياً الأصول المالية للحكومة العراقية، ولذلك فإن هذه الأصول المالية من المحتمل أن تكون في دائرة الخطر خصوصاً أن الولايات المتحدة الأميركية تقدم لها الحصانة حاليا ً، مضافاً إلى ذلك احتمالية أن موضوع الاستثمارات ووجود الشركات الاجنبية العاملة ستتعرض إلى خطر الانسحاب، وهو ما حدث بالفعل مع انسحاب العديد من الشركات النفطية بسبب الأحداث الأمنية والقصف المستمر، كما ومن غير المستبعد أن التداعيات الاقتصادية ستشمل ارتفاع سعر الدولار وهبوط قيمة العملة المحلية إلى مستويات أقل مما هي عليه الآن أمام الدولار الأميركي".

ختاماً، يرى مراقبون أن تسليم الرسالة الأميركية من قبل السفيرة إلى وزير الخارجية من دون لقاء السوداني، وازدياد الشكوك بعدم حدوث زيارة في المستقبل القريب للسوداني إلى واشنطن، يدل ربما الى وجود فجوة كبيرة ازدادت توسعاً بسبب كثافة دخان المسيّرات والصواريخ التي تستهدف قاعدة عين الأسد خصوصاً بعد عدم الإيفاء بالالتزامات التي قدمها السوداني بحماية مقرات التحالف الدولي في مقدمتها القوات الأميركية في العراق!