في لبنان.. موازنة غير متوازنة

وكالة أنباء حضرموت

تبحث حكومة تصريف الاعمال في لبنان في التوصّل إلى إقرار موازنة ولو من دون أيّ رؤية اقتصاديّة، ولا حتّى تصوّرات لمعالجة الأزمة الاجتماعية، جلَّ ما تميّزت به هو تدني نسبة الاعتمادات المخصصة للنفقات الاستثمارية، وتميّزها بالعشوائية في استحداث الضرائب والرسوم، وبالعشوائية في بعض الاعتمادات؛ وإن دلّ ذلك على شيء فهو يدلّ على أنّ الهدف الرّئيس الذي تتوخّاه هذه الحكومة يكمن في كيفيّة تأمين موارد للصرف، ولو من حساب المواطنين.

موازنة بلا قطع حساب

وفيما بدا الأفرقاء السياسيّون منهمكين في كيفيّة التوصّل إلى حلول بعمليّة تدوير للزوايا منعًا لأيّ خلافات قد توتّر الجوّ المتوتّر أساسًا، طفت على الواجهة السياسيّة المواقف التي أطلقها نائبا تكتّل الجمهوريّة القويّة الدكتورة غادة أيّوب والدّكتور رازي الحاج مع التأكيد على تجاوز المبدأ القانوني لهذه السلطة حيث تعمد إلى إقرار الموازنة من دون قطع حساب من قبل مجلس النوّاب الذي عمل على مناقشتها. 

حيث تغيّرت الأرقام في اللحظة الأخيرة، فيما وزارة المالية عاجزة عن تقديم أرقام مدققة ونهائية عن إيرادات ونفقات موازنات 2021 و2022 و2023، والأدهى والأخطر أنّ وزارة المال لا تملك الأرقام لأنها توقفت عن إدخالها منذ عام 2019 على النظام المالي للوزارة. فبذلك ارتاح ميقاتي من همّ إقرار الموازنة في حكومته لأنّه لا يستطيع تحمّل المزيد من تبعات مخالفة الدّستور. لكن أمام هذه الوقائع يبقى الترقّب سيّد الموقف لأنّ التصويت على الموازنة سيظهّر صورة التكتلات السياسيّة مرّة جديدة في البرلمان، وقد تكون هذه الصورة من أبرز المؤشّرات الانتخابيّة.


ولاسيّما بعد الاستدارة التي يعدّ لها وليد جنبلاط بحسب ما رشح من لقاءاته الأخيرة مع الوزير فرنجيّة، وموقفه من انتخابه رئيسًا للجمهوريّة. ولكن في حال لم تنجح الأكثريّة بإقرار الموازنة يعني ذلك العودة للصرف على أساس القاعدة الاثني عشريّة.

المواجهة بين المعارضة والسلطة

لكنّ نجاح المعارضة في إلغاء المواد المتعلّقة بالتعديلات الضريبيّة والرسوم التي تمّ استحداثها والتي تعتبر مخالفة للدستور يسجّل لها خطوة متقدّمة على السلطة التي تسعى إلى تأمين إيرادات لخزينتها مع إغفالها بشكل متعمّد طبعًا، عدم قدرة النّاس على التحمّل المزيد من الأعباء الاقتصاديّة. ولا يتوانى رئيسها عن التصريح والتباهي بأن الاقتصاد اللبناني هو على طريق التعافي الصحيح، ضاربةً عرض الحائط مبدأ وحدة المعايير في التعديلات التي اقترحتها على الرسوم، حيث تمّ رفع قيمة بعضها 10 أضعاف كرسوم السير، ورفعت قيمة سواها 40 ضعفًا كبعض رسوم الطابع المالي، وتمّ رفع بعضها الآخر 180 مرة كالرسوم على المواد الكحولية المنتجة محليًّا.


لكنّ ذلك كلّه يبقى غير مجدٍ لسببٍ وحيدٍ وجوهريٍّ وهو غياب المحاسبة. فسرقة العصر وقعت في لبنان على أيدي هذا الدويتّو بين المنظومة الفاسدة التي يعتبَر حاكم المصرف المركزي السابق أحد أهمّ أعلامها، وهي المحميّة من المنظّمة المسلّحة التي كانت تدّعي محاربة بعض رموز هذه المنظومة. ولا من حسيب أو حتّى مجرّد رقيب. ولا زال أهل السياسة في لبنان، ولاسيّما المتسلّطين على الحكم منهم، يقاربون موضوع الموازنة بالطرق التقليديّة. مع فارق بسيط، أنّ الموازنة التي كانت تكتب في المكاتب المغلقة ويُصَوَّتُ عليها شكليًّا في المجلس لم تعد متاحة لهذا الدويتّو. ولعلّ هذا ما يفسّر الحالة الهستيريّة التي ظهّرها بعض المحكومين المطلوبين للعدالة.

موازنة بلا محاسبة

غياب المحاسبة هو نتيجة، نجح هذا الدويتّو بالوصول إليها عبر سنوات حكمه لأنّه أدرك أنّ قاضيًا واحدًا قادر أن يعرقل مشاريعه الناهبَة للدولة. لذلك تمّ تعطيل السلطة القضائيّة حتّى بلغ هذا التعطيل القدرة الأخلاقيّة الموجودة في صلب السلطة القضائيّة التي باتت بحاجة إلى حكيم ليعيد انتظامها.
وفي حديث لـ"جسور"، تؤكد أستاذة العلوم الاقتصاديّة في جامعة القديس يوسف في بيروت، البرفسورة نيكول بلّوز بايكر حول خفايا هذه الموازنة من الناحية الاقتصاديّة العلميّة أنّ " الموازنة تظهر السياسة المالية وأهدافها. ويجب أن تستند إلى رؤية اقتصادية لتحقيق هذه الأهداف أي النمو واستقرار الاسعار والقضاء على البطالة واستقرار سعر الصرف." هذا من الناحية العامّة.

أمّا بالنسبة إلى الموازنة في لبنان فتؤكّد بايكر أنّ " استنادها إلى الضرائب لتغطية العجز بدل تخفيض الهدر وتعزيز الجباية وإيقاف التهريب، سيؤدّي ذلك إلى تعزيز الركود وزيادة البطالة والفقر وتدهور الليرة أكثر". ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال الدّور الاستثماري الذي يجب أن تضطلع به أيّ حكومة في أيّ بلد لما للبنى التحتية من دور مهم في تعزيز النمو والإنتاجية. وفي الموازنة الحالية لحظت بايكر أنّ لهذا الموضوع بالذات " صفر نفقات على الاستثمار وفقط تمويل النفقات التشغيلية مثل رواتب القطاع العام والزيادات، بينما لبنان يسجل أعلى نسبة توظيف بالقطاع العام لمحسوبيات سياسية وحشو وزباءنية."
ولتمويل الاستثمار بشكل هادف وبنّاء ترى بايكر أنّه “من الممكن اللجوء إلى الشراكة بين القطاع العام والخاص ولكن تحت إدارة هيئة ناظمة مستقلة للحوكمة والشفافيّة." وهذا بحسب رأيها كخبيرة اقتصاديّة لم تلحظ له هذه الموازنة أيّ شيء. إضافةً إلى أنّها لا تتضمّن أيّ إصلاح بل استمرار سرقة الناس من جيوبهم بعد سرقة ودائعهم. كما أفادت بايكر لجسور.

Good tax criteria

وتختم بايكر حديثها لجسور مستهجنة " كيف لنا أن نصدّق أيّ رقم في ظلّ الاقتصاد النقدي والتلاعب لإظهار قصور العائدات وتبرير زيادة الضرائب؟" مع العلم أنّ هذه الزيادات لا ترتكز على أيّ شروط ومعايير علميّة، ولا على شروط الضريبة الجيّدة كما يعرف في علم الاقتصاد: "Good tax criteria". فبالمختصر المفيد، ترى بايكر أنّ " أسباب العجز لا تزال قائمة والهدف من هذه الموازنة هو إفقار الشعب لإخضاعه."

في المحصّلة، لا يمكن لأيّ بلد في العالم أن يحقّق أي نهوض اقتصادي أو مجرّد أيّ عمليّة تعافي من استقرار واستعادة الدّولة لمقوّمات وجودها، وأوّلها القرار السيادي الذي لا يعلوه أيّ طرف مهما بلغ شأو جبروته السياسي. وهذا ما لا يمكن تحقيقه طالما الحكومة بلسان رئيسها لا تملك قرارا الحرب والسلم، بل ما تحت سطوة منظّمة حزب الله التي توأمت نفسها مع المافيا الحاكمة في ظلّ نظام أقلّ ما يمكن وصفه بأنّه نظام " المافياقراطيّة" التي تعمد على سياسة ضربيّة تفقيريّة لهدم ما تبقى من الهيكل. وبخلاف ذلك لا فائدة لأيّ موازنات وإصلاحات وقرارات تبقى كلّها في مهبّ الريح.