هل تنجح إعادة هيكلة البيانات في إنقاذ الإعلام المصري؟
سلط إعلان وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان عن توجه حكومي جاد لطرح مشروع قانون حرية تداول المعلومات، الضوء على “إعادة هيكلة البيانات وتدفقها”، ليمثل محاولة حقيقية لضخ الدماء في شرايين الصحافة الورقية والرقمية التي كادت تجف بفعل غياب البيانات الرسمية الموثقة في الوقت المناسب.
ويعتقد خبراء الإعلام ومراقبون سياسيون أن “إعادة هيكلة البيانات وتدفقها” ليست مجرد إعادة ترتيب إداري للمكاتب الصحفية، بل هي اعتراف رسمي صريح بوجود أزمة عميقة في إتاحة المعلومة.
ويعكس هذا الاعتراف، بحسب الخبراء، إدراكاً متأخراً لدى صناع القرار بأن غياب البيانات الدقيقة والسريعة لم يعد مجرد إشكالية مهنية تقتصر على الصحفيين، وإنما تحول إلى مشكلة وطنية تؤثر على تشكيل الرأي العام واستقرار المجتمع.
ولعقود طويلة سادت ثقافة التكتم الإداري في الكثير من أجهزة الدولة، حيث كان التعامل مع المعلومة يُدار كـ”منحة” تُمنح حسب الظروف أو حسب تقدير المسؤول. وأدى ذلك إلى فراغ معلوماتي كبير ملأته منصات التواصل الاجتماعي بسرعة فائقة.
وأصبحت هذه المنصات بديلاً مشوهاً يصنع رأياً عاماً مبنياً أساساً على الشائعات والمعلومات المغلوطة والروايات المتضاربة، في غياب الرواية الرسمية السريعة والموثقة. وهكذا تحول غياب البيانات من مشكلة إعلامية إلى أداة تُستغل لنشر الشكوك وتعميق الانقسامات.
ويشير خبراء في علم الاجتماع الإعلامي إلى أنه عندما تتأخر الرواية الرسمية ساعات أو أياما يملأ المستخدمون العاديون والمؤثرون هذا الفراغ بتفسيرات شخصية أو بمعلومات غير مؤكدة، غالباً ما تكون مثقلة بالعواطف أو الأجندات.
وفي قضايا اقتصادية أو أمنية أو خدمية، يؤدي هذا الفراغ إلى تضخيم الأزمات، وأحياناً إلى حالة من الذعر العام أو فقدان الثقة في المؤسسات.
ويؤكد المراقبون أن إعادة هيكلة البيانات إذن ليست مجرد تحديث تقني أو إداري، بل هي محاولة إستراتيجية لاستعادة المبادرة في تشكيل السردية الوطنية. فبدلاً من أن تكون الدولة في موقع الدفاع أو الرد المتأخر، تصبح قادرة على تقديم الحقائق أولاً بأول، مما يقلل من فرص الشائعات ويعزز الثقة العامة. لذلك يُعد مشروع قانون حرية تداول المعلومات، المصاحب لإعادة هيكلة مكاتب المتحدثين الرسميين وتأهيلهم، خطوة إستراتيجية لكسر هذه الدائرة.
لكن النجاح لن يُقاس بإصدار القانون فقط، وإنما بتغيير الثقافة الإدارية ومدى التزام الأجهزة التنفيذية بالرد السريع والشفاف. وفي لقائه الأخير مع رؤساء تحرير الصحف الخاصة والحزبية، أكد ضياء رشوان أن الحكومة جادة في إصدار القانون، مشيراً إلى أنه كصحفي ونقيب سابق للصحفيين غير راضٍ عن الوضع الحالي للإعلام، ويطمح لتغييره جذريا.
وتتجاوز الخطة، بحسب المراقبين، مجرد إصدار تصريحات عابرة، وترتكز على محاور هيكلية عميقة تربط وسائل الإعلام مباشرة بمركز القرار. كما ستفكك البيروقراطية عبر إلزام المكاتب الإعلامية في الوزارات بالرد خلال ساعات معدودة على استفسارات الصحافة، مع رفع كفاءة المتحدثين الرسميين عبر برامج تدريبية إجبارية مكثفة.
وأعلن رشوان العمل على مشروع متكامل لإعادة هيكلة منظومة المتحدثين الرسميين والمكاتب الإعلامية في الوزارات والهيئات، تنفيذاً لتوجيهات رئاسية، مع التركيز على التأهيل والاختيار الدقيق.
ويسعى القانون إلى تحويل الحق في المعرفة من “منحة” يمنحها المسؤول حسب مزاجه إلى التزام قانوني مكمل للدستور المصري (المادة 68).
وأكد رشوان أن الوزارة تقوم حالياً بتنفيذ خطوات عملية لتطوير هذه المكاتب، مع التركيز على توفير بيانات ومعلومات موثقة لتجنب التسرع في الأحكام عبر وسائل التواصل. ورغم التفاؤل النقابي والترحيب الواسع، يحذر خبراء ومراقبون من أن هذه الهيكلة تواجه تحديات جوهرية تتطلب حلولاً جذرية، على رأسها ثقافة الحجب البيروقراطية، إذ لا تزال بعض الأجهزة الإدارية ترفض تمرير البيانات وتفضل السرية الكلاسيكية، مما يعيق التدفق السريع حتى بعد صدور القانون.
كما تعاني المؤسسات الصحفية من معضلة التمويل والتعثر الاقتصادي التي تعوق تأهيل الكوادر، وتحديث غرف الأخبار الرقمية، وتطوير البنية التحتية التقنية.
ويُعد اختبار الأمن القومي من أبرز التحديات، إذ يجب أن يحقق القانون توازناً دقيقاً بين إتاحة البيانات العامة وحماية الملفات السيادية الحساسة، خاصة في ظل التحديات الإقليمية والأمنية.
ويُنظر إلى القانون، كما أشار رشوان في تصريحات سابقة، كوسيلة لحماية المواطنين من المعلومات المغلوطة، مع التأكيد على أنه سيكون على طاولة الحوار الوطني.
وإذا نجحت وزارة الدولة للإعلام في تمرير القانون وتفعيل إعادة الهيكلة، فإن ذلك لن يكون انتصاراً مهنياً للصحفيين فحسب، بل ضرورة إستراتيجية لحماية الأمن القومي المعرفي في مصر، كما يرى مراقبون. وسيقلل ذلك من الفوضى الرقمية، ويعزز الثقة في المصادر الرسمية، ويساعد على مواجهة حملات التشكيك والشائعات.
العبرة، في تقدير الخبراء، لن تكون في نصوص القانون أو البيانات الرسمية فقط، بل في مرونة الأجهزة التنفيذية وقدرتها على التخلي عن عقلية “حجب البيانات” لصالح “المشاركة اللحظية”.
وتمثل هذه الخطوات فرصة تاريخية لإعادة بناء منظومة إعلامية قوية تعكس الواقع المصري بدقة، وتدعم جهود التنمية الشاملة. والنجاح مرهون بجدية التنفيذ والتعاون بين كل الأطراف: الحكومة، والصحافة الخاصة، والمجتمع المدني.