لماذا يرى منتقدو ترامب أن الاتفاق يمنح إيران أكثر مما يأخذ منها؟
أثار التفاهم الذي توصلت إليه الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب بينهما موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط السياسية والأكاديمية الأميركية، حيث يرى عدد من المحللين والمسؤولين السابقين أن الاتفاق، رغم نجاحه في وقف القتال واحتواء تداعياته الاقتصادية والأمنية، يمنح طهران مكاسب كبيرة مقابل التزامات محدودة وغامضة، خاصة في ما يتعلق بالملف النووي وبرنامج الصواريخ والنفوذ الإقليمي.
وبينما تقدم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاتفاق بوصفه إنجازاً دبلوماسياً أنهى حرباً مكلفة وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار، يعتقد منتقدو الاتفاق أن واشنطن تخلت عن جزء مهم من أوراق ضغطها الاستراتيجية دون أن تحصل في المقابل على ضمانات كافية لمعالجة مصادر القلق الرئيسية المرتبطة بإيران.
ولا يكاد يختلف مؤيدو الاتفاق ومعارضوه على أن إنهاء الحرب يمثل مكسباً مهماً للولايات المتحدة والمنطقة والعالم. فالحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى أدت إلى اضطراب أسواق الطاقة العالمية، وأثارت مخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع تهدد الملاحة الدولية والاستقرار الاقتصادي العالمي.
ومن هذا المنطلق، يقر منتقدو الاتفاق بأن وقف الحرب كان هدفاً مشروعاً وضرورياً. غير أن الخلاف لا يتعلق بمبدأ إنهاء الحرب، بل بالشروط التي تم على أساسها تحقيق ذلك، وما إذا كانت هذه الشروط تعزز الأمن والاستقرار على المدى الطويل أم تؤسس لأزمات جديدة في المستقبل.
ويتمثل أحد أبرز الانتقادات الموجهة للاتفاق في حجم المكاسب الاقتصادية التي حصلت عليها إيران. فالتفاهم ينص على رفع العقوبات الأميركية المفروضة على طهران، بما في ذلك العقوبات التي ارتبطت على مدى سنوات بقضايا تتجاوز الملف النووي، مثل دعم الجماعات المسلحة وانتهاكات حقوق الإنسان.
كما يتضمن الاتفاق الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، ما يعني تدفق مليارات الدولارات إلى الاقتصاد الإيراني في وقت يحتاج فيه النظام بشدة إلى الموارد المالية بعد سنوات من الضغوط والعقوبات.
ويرى المنتقدون أن هذه الخطوة تمنح إيران متنفساً اقتصادياً واسعاً وتساعدها على استعادة جزء كبير من قدراتها المالية دون أن تكون ملزمة بتقديم تنازلات جوهرية في المقابل.
وبحسب هذا المنطق، فإن واشنطن قدمت حوافز اقتصادية ضخمة منذ البداية، ما أدى إلى إضعاف نفوذها التفاوضي في المراحل اللاحقة.
وإذا كانت العقوبات تمثل الجانب الاقتصادي من الانتقادات، فإن الملف النووي يمثل جوهر الاعتراضات الأميركية على الاتفاق. فمنتقدو التفاهم يشيرون إلى أن إيران لم توافق حتى الآن على فرض قيود جديدة وصارمة على عمليات تخصيب اليورانيوم، ولم تلتزم بتفكيك البنية التحتية النووية التي تثير القلق الغربي منذ سنوات.
كما أن الاتفاق لا يتضمن، وفق هذه القراءة، آليات تفتيش واضحة وشاملة تتيح للمجتمع الدولي مراقبة البرنامج النووي الإيراني بصورة دائمة وفعالة.
وتزداد هذه المخاوف بعد التباين الذي ظهر بين واشنطن وطهران بشأن قضية التفتيش الدولي. فبينما أعلن مسؤولون أميركيون أن إيران وافقت على مستويات متقدمة من الرقابة الدولية، نفت طهران تقديم أي التزام من هذا النوع، ما أثار تساؤلات حول طبيعة التفاهمات الفعلية بين الطرفين.
ويرى المنتقدون أن الاتفاق يمنح إيران فرصة للاحتفاظ بمعظم عناصر برنامجها النووي، بينما تحصل في الوقت نفسه على فوائد اقتصادية وسياسية كبيرة.
ويرتبط جانب مهم من الانتقادات بالمقارنة بين الاتفاق الحالي والاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه خلال إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما.
فالمعارضون يرون أن الاتفاق السابق تضمن قيوداً واضحة على تخصيب اليورانيوم، وأجبر إيران على تقليص مخزوناتها النووية، وأخضع منشآتها لرقابة دولية واسعة النطاق.
وأما الاتفاق الحالي، في نظرهم، فلا يقدم التزامات مماثلة، بل يكتفي بوعود عامة تتعلق بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، وهي تعهدات سبق أن قدمتها إيران مراراً خلال العقود الماضية.
ولذلك يرى هؤلاء أن الاتفاق الجديد يمنح إيران مزايا اقتصادية أكبر مقابل التزامات أقل، وهو ما يجعل المقارنة تميل لصالح طهران لا واشنطن.
ومن الحجج الأساسية التي يطرحها منتقدو ترامب أن الإدارة الأميركية سارعت إلى تقديم تنازلات مهمة قبل بدء المفاوضات النهائية.
فرفع العقوبات النفطية والإفراج التدريجي عن الأصول المجمدة يمنحان إيران فوائد ملموسة وفورية، بينما تبقى القضايا الجوهرية مؤجلة إلى مفاوضات لاحقة تمتد ستين يوماً أو أكثر.
ويعتقد المنتقدون أن أي مفاوضات ناجحة تحتاج إلى الاحتفاظ بأدوات الضغط حتى اللحظات الأخيرة، لا إلى تقديمها مسبقاً ثم محاولة انتزاع تنازلات إضافية لاحقاً.
يرى المنتقدون أن الاتفاق يمنح إيران فرصة للاحتفاظ بمعظم عناصر برنامجها النووي، بينما تحصل في الوقت نفسه على فوائد اقتصادية وسياسية كبيرة.
ومن هذا المنظور، فإن إيران تدخل المرحلة التالية من المفاوضات وهي في موقع أقوى اقتصادياً وسياسياً مما كانت عليه قبل الاتفاق.
ولا تقتصر الاعتراضات على الملف النووي فقط، بل تشمل أيضاً ملفات أخرى تعدها الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون أساسية في أي تسوية شاملة.
فالبرنامج الصاروخي الإيراني لا يزال خارج إطار التفاهم الحالي، رغم أنه كان أحد الأسباب الرئيسية للتوترات الإقليمية خلال السنوات الماضية.
كذلك لا يتضمن الاتفاق التزامات واضحة بخصوص الدعم الإيراني للجماعات المسلحة في المنطقة، وهو الملف الذي ظل محوراً رئيسياً في الخلافات بين واشنطن وطهران.
ويشير المنتقدون إلى أن تجاهل هذه القضايا يمنح إيران فرصة للحفاظ على أدوات نفوذها الإقليمية مع الاستفادة في الوقت نفسه من تخفيف الضغوط الاقتصادية.
ومن بين الملفات التي تعزز مخاوف المنتقدين أيضاً قضية مضيق هرمز. فالاتفاق ينص على ضمان حرية الملاحة لفترة مؤقتة، لكن الخلافات لا تزال قائمة بشأن مستقبل إدارة المضيق والرسوم المحتملة على السفن العابرة.
ويرى مراقبون أن عدم حسم هذا الملف بشكل نهائي يعني أن أحد أهم مصادر التوتر بين الولايات المتحدة وإيران لا يزال قائماً، وأن الأزمة يمكن أن تعود إلى الواجهة بمجرد انتهاء الترتيبات المؤقتة.
ويعتقد المدافعون عن الاتفاق أن الحرب وما تلاها من خسائر دفعت إيران إلى مراجعة سلوكها والقبول بمسار تفاوضي أكثر مرونة.
لكن منتقدي ترامب يشككون في هذا التقييم، معتبرين أن القيادة الإيرانية تنظر إلى الاتفاق بوصفه دليلاً على قدرتها على الصمود وانتزاع تنازلات من واشنطن.
ويشير هؤلاء إلى أن رفع العقوبات وتدفق الأموال الجديدة قد يعززان موقف التيارات المتشددة داخل النظام الإيراني بدلاً من إضعافها، وهو ما قد يقلل من فرص التوصل إلى تسوية أكثر شمولاً في المستقبل.
وفي نهاية المطاف، لا يدور الجدل في واشنطن حول أهمية إنهاء الحرب بقدر ما يدور حول طبيعة السلام الذي أعقبها.
فمنتقدو ترامب لا ينكرون أن الاتفاق نجح في وقف القتال وتهدئة الأسواق وفتح قنوات الحوار، لكنهم يرون أنه فعل ذلك عبر تقديم مكاسب كبيرة لإيران دون الحصول على ضمانات كافية بشأن الملفات التي كانت أساس الصراع منذ البداية.
ومن وجهة نظرهم، فإن الاتفاق الحالي يبدو أقرب إلى هدنة سياسية واقتصادية منه إلى تسوية استراتيجية شاملة. فالقضايا المتعلقة بالتخصيب النووي والتفتيش الدولي والصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي وأمن الملاحة لا تزال مطروحة على الطاولة، ولم تُحسم بشكل نهائي.
ولهذا السبب، يرى منتقدو الإدارة الأميركية أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الاتفاق قد أنهى الحرب، بل ما إذا كان قد عالج أسبابها. وحتى الآن، يعتقد هؤلاء أن الإجابة لا تزال غير واضحة، وأن إيران خرجت من التفاهم بمكاسب ملموسة وفورية، بينما لا تزال الولايات المتحدة تنتظر اختبار ما إذا كانت هذه المكاسب ستُترجم إلى تنازلات استراتيجية حقيقية في المفاوضات المقبلة.