خبير فرنسي عن معركة أوروبا وأبل: حرب السيادة الرقمية تصطدم بالإمبراطورية المغلقة
أكد الخبير الاقتصادي الفرنسي المتخصص في التنظيم الرقمي ألكسندر دو ستريل أن أوروبا لم تعد مجرد سوق استهلاكي لشركات التكنولوجيا الكبرى، بل أصبحت قوة تنظيمية تسعى لفرض سيادتها الرقمية وحماية بيئتها التنافسية.
ويأتي التوتر الأخير بين شركة أبل والاتحاد الأوروبي ليجسد هذا التحول بوضوح، في ظل سباق عالمي محتدم حول الذكاء الاصطناعي.
وقال ألكسندر دو ستريل في حديث مع " العين الإخبارية" إن الخلاف بين أبل والمفوضية الأوروبية يتجاوز مسألة تأجيل إطلاق مساعد Siri AI، ليعكس صراعًا هيكليًا بين رؤيتين مختلفتين للاقتصاد الرقمي.
وأوضح انه من جهة، تعتمد أبل على نموذج "النظام المغلق" الذي يضمن لها التحكم الكامل في بيئتها التقنية، وهو ما تعتبره عنصرا أساسيا لضمان الأمان وتجربة المستخدم. ومن جهة أخرى، يسعى الاتحاد الأوروبي من خلال قانون الأسواق الرقمية إلى فرض الانفتاح التشغيلي ومنع الاحتكار.
وأكد أن جوهر الأزمة يكمن في مفهوم "التشغيل البيني" حيث تطالب أوروبا بتمكين تطبيقات وخدمات المنافسين من الوصول إلى نفس الوظائف التي تقدمها أبل داخل نظامها. ورغم أن هذا التوجه يعزز المنافسة، إلا أنه يضع الشركات أمام تحديات تقنية وأمنية معقدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بتقنيات حساسة مثل الذكاء الاصطناعي التفاعلي.
وأضاف أن تأجيل أبل إطلاق Siri AI في أوروبا ليس مجرد قرار تقني، بل ورقة ضغط تفاوضية، تهدف إلى دفع المنظمين نحو تقديم مرونة أكبر، موضحا أنه في المقابل، تبدو المفوضية الأوروبية حازمة في موقفها، معتبرة أن القواعد يجب أن تُطبق دون استثناء، وهو ما يعكس تحولا عميقا في ميزان القوى بين الحكومات وشركات التكنولوجيا.
وحذر دو ستريل من أن استمرار هذا التوتر قد يؤدي إلى "انقسام رقمي عالمي"، حيث تضطر الشركات إلى تطوير نسخ مختلفة من منتجاتها لتتوافق مع كل سوق على حدة، مما قد يبطئ الابتكار ويرفع التكاليف.
ورأى أن هذا الثمن قد يكون ضروريا لضمان سوق أكثر عدالة وتنافسية على المدى الطويل.
ورفضت بروكسل اتهامات المجموعة الأمريكية، معتبرة أن قرار عدم إطلاق Siri AI داخل الاتحاد الأوروبي يعود بالكامل إلى أبل نفسها. وأكدت المفوضية الأوروبية أن قانون الأسواق الرقمية لا يمنع إطلاق المساعد الجديد، بحسب محطة "بي اف ام الفرنسية "
ورفضت بروكسل الثلاثاء ادعاءات أبل، التي كانت قد أعلنت في اليوم السابق أنها مضطرة لتأجيل إطلاق مساعدها Siri AI في الاتحاد الأوروبي بسبب التطبيق الصارم للتشريعات الأوروبية.
وقال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي للشؤون الرقمية إن "قرار عدم نشر Siri AI في الاتحاد الأوروبي هو مسؤولية أبل بالكامل".
وأضاف: "لا يوجد في قانون الأسواق الرقمية ما يمنع أبل من إطلاق منتجات جديدة داخل الاتحاد الأوروبي"، معارضًا الرواية التي قدمتها الشركة الأمريكية.
وأعلنت أبل الإثنين خلال مؤتمرها العالمي للمطورين أن Siri AI، مساعدها الجديد المدعوم بالذكاء الاصطناعي التفاعلي، لن يكون متاحًا في الاتحاد الأوروبي على هواتفها وأجهزتها اللوحية عند إطلاقه المتوقع هذا الخريف.
ولم يتم تحديد موعد لاحق للإطلاق حتى الآن. وأشارت الشركة، التي يقع مقرها في كوبرتينو بولاية كاليفورنيا، إلى وجود خلاف مع المفوضية الأوروبية بشأن توافق Siri AI مع قانون الأسواق الرقمية.
وقال المسؤول عن هندسة البرمجيات في أبل: "هدفنا هو نشر Siri AI في الاتحاد الأوروبي يومًا ما، وسنواصل الحوار مع الجهات التنظيمية الأوروبية"، معربًا عن أسفه "لرفضهم الدخول في مناقشات بناءة لإيجاد حلول تحافظ على أمن البيانات وخصوصيتها".
معركة السرديات
ويعد قانون الأسواق الرقمية أداة قوية ضمن ترسانة بروكسل لتنظيم عمالقة التكنولوجيا، حيث يُلزمهم بجعل بعض منتجاتهم أو خدماتهم قابلة للتشغيل البيني، بهدف تعزيز المنافسة ومنع إساءة استخدام الهيمنة السوقية.
وتؤكد أبل أنها اقترحت على المفوضية حلًا يسمح لمساعدين تابعين لجهات خارجية باستخدام نفس وظائف Siri AI على أجهزة آيفون وآيباد، وهو ما ترى أنه يحقق الامتثال للقانون مع الحفاظ على أمان نظامها، إلا أن الشركة تقول إن اقتراحها قوبل بالرفض الكامل من قبل بروكسل، ما اضطرها إلى تأجيل إطلاق مساعدها الجديد في أوروبا.
ووفقا للمحطة الفرنسية فإن هذه الرواية موضع تشكيك من قبل السلطة التنفيذية الأوروبية، حيث أكد المتحدث الأوروبي أن أبل لم تتمكن من تطوير حل متوافق مع قواعد القارة العجوز.