مشروع قانون في البرلمان العراقي للحد من الخطاب الطائفي
في محاولة لكبح تفاقم الانقسامات ذات البعد الديني داخل المجتمع، يتجه مشروع قانون جديد في العراق إلى التصدي لمنابع الخطاب الطائفي الذي اشتد بفعل آثار الحروب، خصوصاً التوترات المرتبطة بالصراع مع إيران. ويأتي هذا التحرك ضمن مسار تشريعي يهدف إلى إعادة التوازن بين حرية التعبير وصون السلم المجتمعي، بعد سنوات شهدت تصاعداً في الاحتقان انعكس بوضوح في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
وفي هذا السياق، طرحت النائبة عن تحالف "العزم"، نهال الشمري، مبادرة لتعديل بعض أحكام قانون العقوبات العراقي، مع التركيز على المادة (372)، التي تتناول الجرائم المرتبطة بالإساءة إلى المعتقدات الدينية. ويهدف المقترح إلى وضع ضوابط أكثر صرامة للحد من التجاوزات التي تستهدف الرموز الدينية أو تثير النعرات الطائفية، وهي ظاهرة باتت تشكل تهديداً مباشراً للاستقرار المجتمعي.
وترى الشمري أن التعديل المقترح لا يتعارض مع مبدأ حرية الرأي، بل يسعى إلى تنظيمه ضمن إطار مسؤول يميز بوضوح بين التعبير المشروع وخطاب الكراهية الذي يحرض على الانقسام. وتؤكد أن الدستور العراقي يكفل حرية التعبير، إلا أن هذه الحرية يجب ألا تتحول إلى أداة للإساءة أو تأجيج الصراعات بين مكونات المجتمع.
ويتضمن المشروع جملة من الإجراءات العقابية التي تستهدف الأفعال التي تنطوي على إساءة صريحة أو ضمنية إلى المقدسات الدينية، بما في ذلك الذات الإلهية والأنبياء والشخصيات الدينية المحورية لدى المسلمين. ويقترح فرض عقوبات تصل إلى السجن لمدة خمس سنوات أو غرامات مالية كبيرة بحق من يثبت تورطه في مثل هذه الانتهاكات، مع تشديد الإجراءات بحيث لا يُمنح المتهم كفالة في بعض الحالات.
ولا يقتصر التعديل على حماية الرموز الدينية فحسب، بل يمتد ليشمل الأفعال التي تستهدف الشعائر والممارسات الدينية لمختلف الطوائف، مثل تعطيلها أو السخرية منها أو الاعتداء على أماكن العبادة. كما يتناول أيضاً جرائم تخريب أو تدنيس المواقع الدينية، فضلاً عن تحريف النصوص المقدسة أو الإساءة إلى مضامينها، وهي أفعال يرى المشرعون أنها تساهم في تغذية الانقسام المجتمعي.
ومن بين النقاط اللافتة في المقترح، التأكيد على تشديد العقوبات في حال تكرار الجريمة، في خطوة تهدف إلى ردع المخالفين ومنع تحول هذه السلوكيات إلى ظاهرة اعتيادية. كما يشدد المشروع على مبدأ المساواة أمام القانون، بحيث تُطبق هذه الأحكام على جميع الأفراد دون استثناء، بغض النظر عن انتماءاتهم.
ويشار إلى أن المادة (372) بصيغتها الحالية تنص بالفعل على معاقبة من يعتدي علناً على معتقدات دينية أو يعرقل إقامة شعائرها أو يسيء إلى أماكن العبادة، إلا أن التعديل المقترح يسعى إلى توسيع نطاق التجريم وتعزيز العقوبات بما يتناسب مع التحديات الراهنة.
ويعكس هذا التحرك التشريعي إدراكاً متزايداً لدى بعض الأوساط السياسية بخطورة الخطاب الطائفي، خاصة في ظل بيئة إعلامية مفتوحة تسهم أحياناً في تضخيم التوترات. وبينما يرحب البعض بهذه الخطوة باعتبارها ضرورة لحماية الوحدة الوطنية، يثير آخرون تساؤلات حول كيفية تطبيقها دون المساس بالحريات الأساسية، وهو ما يضع المشرّعين أمام اختبار دقيق لتحقيق التوازن المطلوب.