بين تجديد المناصب والانضباط.. معادلة ترامب داخل البيت الأبيض
يدرس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إجراء جولة جديدة من التعديلات على حكومته، «في إطار مراجعة مستمرة لأداء كبار المسؤولين، لكنه في الوقت ذاته يسعى إلى تجنب إحداث زلزال وزاري واسع قد يؤثر على استقرار إدارته في هذه المرحلة».
هذا ما أكدته صحيفة واشنطن بوست، مشيرة إلى أن «هذا التوجه يعكس محاولة واضحة للموازنة بين الحاجة إلى تجديد بعض المناصب الحيوية، والحفاظ على صورة الانضباط والاستمرارية داخل البيت الأبيض، خصوصاً بعد سلسلة من الإقالات التي طالت شخصيات بارزة خلال الأشهر الماضية».
وبحسب مسؤولين ومصادر مطلعة، لا يميل حالياً ترامب إلى إجراء تغيير شامل في فريقه التنفيذي، بل يفضل نهجاً تدريجياً قائماً على تقييم كل مسؤول على حدة. ويأتي ذلك في سياق سعيه لتفادي تكرار مشاهد الاضطراب الإداري التي ارتبطت بفترات سابقة، حيث كانت الإقالات المفاجئة تُحدث صدىً سياسياً وإعلامياً واسعاً.
خطوات نهائية
في هذا الإطار، يبرز اسم هوارد لوتنيك وزير التجارة، ولوري تشافيز ديريمر وزيرة العمل، كأكثر المسؤولين عرضة لاحتمالات الإقالة، وفقاً لمسؤولين في البيت الأبيض. إلا أن التقديرات تشير إلى أن أي قرار بشأنهما لم يُحسم بعد، في ظل تفضيل الرئيس منح مساحة إضافية قبل اتخاذ خطوات نهائية.
في المقابل، تبدو تولسي غابارد مديرة الاستخبارات الوطنية في موقع أكثر استقراراً، بعدما سارع ترامب إلى تأكيد دعمه الكامل لها علناً، عبر بيان رسمي نفى فيه ما تردد عن تراجع ثقته بها، مؤكداً أنها لا تزال تحظى بثقته “الكاملة”، رغم وجود اختلافات في وجهات النظر، خاصة فيما يتعلق بملفات السياسة الخارجية مثل التعامل مع إيران.
ضغوط داخلية وأزمات أداء
تأتي هذه المراجعات في ظل ضغوط داخلية متزايدة داخل بعض الوزارات. فوزيرة العمل لوري تشافيز ديريمر تواجه اتهامات بسوء السلوك، بينها علاقة مزعومة مع أحد الموظفين وتناول الكحول داخل مقر الوزارة، وهي مزاعم ألقت بظلالها على بيئة العمل وأدت إلى استقالة عدد من كبار المسؤولين، ما زاد من حدة الانتقادات الموجهة لإدارتها.
أما وزير التجارة لوتنيك، فقد أثار استياء داخل دوائر صنع القرار بسبب أسلوبه في طرح مبادرات سياسية وعقد صفقات دون تنسيق مسبق مع الجهات المعنية داخل الإدارة، الأمر الذي اعتبره بعض المسؤولين تجاوزاً للأطر المؤسسية، وأدى إلى توترات داخلية انعكست على تقييم أدائه.
ورغم هذه التحديات، تشير مصادر إلى أن ترامب لا يتعجل الإقالات، بل يميل إلى مراقبة تطور الأداء قبل اتخاذ قرارات حاسمة، خاصة إذا لم تتراكم الإخفاقات بشكل يجعل الإقالة خياراً لا مفر منه.
إقالات سابقة
تتزامن هذه التطورات مع سوابق قريبة، حيث أقال ترامب كلاً من بام بوندي وزيرة العدل، وكريستي نويم وزيرة الأمن الداخلي، بعد فترات من التقييم والمداولات استمرت شهورا.
ووفقاً لمصادر مطلعة، فقد كان الرئيس غير راضِ عن أداء بوندي، خاصة فيما يتعلق بملفات قضائية حساسة، بينها التعامل مع قضية جيفري إبستين، إضافة إلى ما اعتبره تقاعساً في ملاحقة خصومه السياسيين.
أما إقالة نويم، فجاءت بعد فترة وُصفت بأنها “اختبار طويل”، لم يقتنع خلالها ترامب بأدائها أو بقدرتها على الحد من الانتقادات الإعلامية التي طالت وزارتها، وهو ما دفعه في النهاية إلى اتخاذ قرار إنهاء مهامها.
وفي أعقاب مغادرة بوندي، عيّن ترامب تود بلانش قائماً بأعمال المدعي العام، وسط توقعات بأن يستمر في هذا المنصب لفترة طويلة، في ظل رضى الرئيس عن أدائه الحالي. ورغم طرح أسماء أخرى مثل لي زيلدين وهارميت ك. ديلون، فإن المؤشرات الحالية ترجح بقاء بلانش في موقعه.
استراتيجية الاستقرار
تعكس هذه التحركات استراتيجية حذرة يتبعها ترامب، تقوم على الحفاظ على تماسك الفريق الحكومي مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام التغيير عند الضرورة. ويبدو أن الرئيس يسعى إلى تحقيق معادلة دقيقة تتمثل في تجنب الاضطراب السياسي والإداري من جهة، والاستجابة لمتطلبات الأداء والضغوط الداخلية من جهة أخرى.
وتشير هذه المقاربة إلى أن أي تغييرات مقبلة، إن حدثت، ستكون محدودة ومدروسة، ومرتبطة بعوامل أداء واضحة أو أزمات داخلية، وليس ضمن خطة لإعادة تشكيل شاملة.